الرئيسية | أقلام حرة | التعليم بين "الوقفة البيداغوجية" و"الصرامة الأمنية"

التعليم بين "الوقفة البيداغوجية" و"الصرامة الأمنية"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
التعليم بين "الوقفة البيداغوجية" و"الصرامة الأمنية"

 

كتب أحد المثقفين، المحسوبين على النخبة السياسية، يستبشر خيرا بتعيين السيد حصاد، وزير الداخلية السابق، على رأس وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي، معتبرا أن الخطوة إيجابية، باعتبارها فلسفة أمنية للنهوض بالمدرسة العمومية، وانتشالها من دركات النسب الخيالية، للممارسات الانحرافية في صفوف التلاميذ، وفق تقرير حديث أنجزته مؤسسة مختصة.

 

إذا كان الأستاذ المحترم، المتخصص في العلوم السياسية، يرى أن التقرير المنجز من قبل البرنامج الوطني لتقييم مكتسبات التعليم، والمتعلق بتفشي ظاهرة استهلاك الكحول والمخدرات، يستدعي وقفة بيداغوجية لا تخلو من صرامة أمنية، فيجب أن يعي معها أنه يتحدث عن مهمتين متباينتين، من اختصاص جهتين مختلفتين، لا علاقة للواحدة منهما بالأخرى، إلا في إطار "التنسيق"، وهذا يعني أحد أمرين:

 

الأول: يعني أن يقوم الوزير "البيداغوجي" إضافة إلى عمله، بمهام وزارة الداخلية، والحرص على المتابعة المستمرة، والتنسيق الدائم والصارم مع هذه الجهات الأمنية، لضمان عدم تحويل المؤسسات التعليمية إلى هيكل فارغ...، فخبرة السيد حصاد في المجال الأمني، تُنبِئُنا -قبل أستاذنا المحترم- عن ماهية التوصيات التي أوتي به من أجلها إلى هذا القطاع، لأن إحكام القبضة عليه في هذه المرحلة من طرف الدولة، أهم من الارتقاء بتدبيره، ومن السعي لتطويره، للوصول به إلى مستوى تطلعات أبناء وبنات هذا الوطن.

 

الثاني: معناه أن تحرص وزارة الداخلية بـ"صرامتها الأمنية"، على رعاية "الوقفة البيداغوجية"، وهو ما يجعل قطاع التعليم قسْما من أقسام هذه الوزارة –إن لم يكن كذلك أصلا- وإذا كان حصاد هو المؤهل لتنفيذ هذه التوصيات، على الشاكلة التي دعا إليها "الأستاذ المحترم"، ففشله في تنفيذها وهو على رأس أم الوزارات، أكبر من نجاحه وهو "تابع".

 

وفي كلا الأمرين يُسَلم الجميع بأن قطاع التعليم مُشتَرك تدبيره بين وزارتين اثنتين، بما يعني أن ما تبقى من دمائه، ستُهدَر بين وقفة بيداغوجية، لا يُعلم أسها من أساسها، وبين صرامة أمنية معلومةِ الأهداف والعواقب.

 

وإذا كان المبرر الوحيد، الذي استساغته حويصلة أستاذنا الفاضل، هو الاستفادة من خبرة الرجل الأمنية، في القضاء على صُنَّاع الانحراف بين تلاميذ الأسلاك التعليمية، فهو في الآن نفسه، مبرر كاف على أن الإشكال -في شقه الأكبر- لا علاقة له بوزارة التعليم، بقدر ما هو مرتبط بوزارة الداخلية، في تلكؤها عن القيام بمهامها الحقيقية، لتَرَصُّد هؤلاء التجار وملاحقتهم، ومتابعتهم وفق القوانين الجاري بها العمل، فهم ليسوا أكثر خفية من عشرات الخلايا لشبكات منظمة، تستهدف أمن الوطن وسلامة رأسماله البشري، فهي تكتشف وتبث من خلالها

 

بطولة عناصرنا الأمنية، وعبقريات مسؤولينا الأمنيين على شاشات التلفزيون وقنواتها، وعلى أثير الإذاعات، والمواقع الإلكترونية الرسمية.

 

عشرات التقارير الوطنية والدولية أشارت إلى الأعداد الهائلة، والإحصائيات المخيفة من التلاميذ، بكل أنواع الانحرافات؛ من الذين يتعاطون السجائر، والكحول، وكل أنواع المخدرات، بل وحتى الممارسات الجنسية والشاذة. هم في النهاية، ضحايا أباطرة المخدرات في المؤسسات التعليمية والجامعية، وفي محيطاتها، وليس اليوم فقط، بل لسنين طويلة رغم تفاقمه في السنوات الأخيرة. والأخطر أنه ليس غريبا عن جهات "الصرامة الأمنية"، إن لم يكن تحت رعايتها.

 

السؤال البريء هنا هو، هل الخبرة الأمنية للسيد حصاد تفيده في بلورة مخرجات بيداغوجية تربوية، تحصن التلاميذ من هذه الانحرافات التي يساقون إليها؟.

 

أكيد أن الجواب، وبدون عدمية، لا، لأن السيد الوزير، لم يأت إلى وزارة التعليم والتعليم العالي، لإضافات تربوية بيداغوجية، لكن موقعه الهام في منظومة الحكم، يفرض عليه الحفاظ على إستراتيجية معينة، سطرتها الدولة في سياستها العامة، وهذه الإستراتيجية تحتم علينا في الأخير أن نتحدث عن المواقع وثقلها في هذه السياسة، بدل الحديث عن الأشخاص بسهولة مهام التلقي والتنفيذ في مجال السياسات العمومية.

 

لا ننسى كذلك وما ينبغي، أن الجسم الحقوقي ببلادنا، بجمعياته، وهيآته، وشخصياته، ناضل لسنوات، بل لعقود ضد المقاربات الأمنية لملفات اجتماعية متعددة، غير أن من يُحسب على الجسم الحقوقي! يرى أن الخبرة الأمنية شرط واقف لإصلاح التعليم فإنه يشرعن من حيث لا يدري –أو يدري- لاستمرار عقلية المقاربات الأمنية الاستفرادية التي تشتغل بها الدولة المغربية، وأثبتت عدم جدواها في كل الملفات والمجالات، بل وتأكد أنها لا تزيد الأوضاع إلا استفحالا وسوءا، عوض اعتماد حلول أنفع وأنجع وأفيد، فأن تنحوَ الدولة التسلطية منحاها الاستبدادي ليس غريبا عنا، أما أن نشرعن ونبرر، فممارساتنا بالفعل، أصبحت تطرح ألف استفهام، واستفهام.

مجموع المشاهدات: 464 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
  1. مراكش : وفاة شخص بساحة جامع الفنا بسبب لدغة أفعى (5.00)

  2. رسالة مُستعجلة مرفوعة للرئيس الجزائري تحذره من انفجار وشيك (5.00)

  3. هذه آخر مستجدات إستقالة الإتحادي "طارق القباج" من المجلس الجماعي لأكادير (5.00)

  4. فيديو لحظة حادث صدم سيارة الموكب الملكي لفتاة بالعيون (5.00)

  5. الشيخ شمس الدين يقصف من يحتفل بعيد الحب 2016 (5.00)

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0

إستطلاع: بنكيران و صورة حزب العدالة و التنمية

كيف كان تأثير قرارات و تصريحات بنكيران على صورة حزب العدالة و التنمية خلال ولايته الأولى ؟