"بوجلود" في قفص الاتهام.. طقوس عريقة تثير الجدل بين المغاربة ومطالب بالتدخل لإنهاء مظاهر "السيبة" و"الفوضى"
أخبارنا المغربية - محمد الحبشاوي
مع حلول كل عيد أضحى في المغرب، يتجدد الجدل الواسع عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي الصالونات الثقافية حول ظاهرة "بوجلود" أو "بيلماون" بالأمازيغية، هذا الطقس الاحتفالي التراثي، الذي يرتدي فيه شبان جلود الأضاحي ويطوفون الشوارع والأحياء، بات مادة دسمة لنقاش مجتمعي حاد بين من يراه موروثاً ثقافياً تجب حمايته وتثمينه، وبين من يطالب بوقفه نظرا لبعض السلوكات التي ترافق تنظيمه في السنوات الأخيرة.
بالنسبة للمدافعين عن هذا الطقس، خاصة في مناطق سوس وبعض الحواضر المغربية، فإن "بوجلود" ليس مجرد تسلية عابرة، بل هو امتداد لثقافة عريقة وضاربة في عمق التاريخ المغاربي، ويعتبر المؤيدون أن الاحتفال يمثل شكلا من أشكال المسرح الشارعي والفرجة الشعبية التي تدخل البهجة على الساكنة بعد أيام العيد، كما أنه يساهم في إحياء قيم التضامن من خلال جمع التبرعات للأعمال الخيرية أو تنمية المداشر، ويرى هؤلاء أن الهجوم على الظاهرة هو محاولة لطمس خصوصية ثقافية مغربية متميزة، مؤكدين على ضرورة تأطير هذا الموروث وتنظيمه بدلا من منعه.
وفي قراءة سوسيولوجية لهذه الظاهرة، يرى محمد الوركي وهو محلل في المجال الاجتماعي أن "بوجلود" يمثل متنفسا سيكولوجيا واجتماعيا للشباب يعبرون من خلاله عن ذواتهم بطرق احتفالية خارجة عن المألوف اليومي، مؤكدا في تصريح خص به "أخبارنا" أن هذا الطقس يحمل شحنة رمزية قوية ترتبط بالتحلل المؤقت من الضوابط الاجتماعية الصارمة بغرض الترفيه، لكن الإشكال يكمن في انتقال هذه الممارسة من بيئتها القروية الأصلية القائمة على التضامن والمراقبة الجماعية، إلى البيئة الحضرية التي تغيب فيها هذه الضوابط، مما يفسر تحولها لدى البعض إلى سلوكات عدوانية أو فوضوية تبحث عن فرض الذات بشكل خاطئ.
في المقابل، يرتفع صوت تيار معارض بقوة لهذه الاحتفالات، معتبرا أن "بوجلود" انحرف في السنوات الأخيرة عن سياقه الثقافي والترفيهي النبيل، ويستدل المعارضون بظهور بعض الممارسات الخارجة عن السيطرة في عدد من الأحياء، حيث تحول طواف "بوجلود" في بعض الأحيان إلى مضايقات وابتزاز للمارة وأصحاب السيارات للحصول على المال، ناهيك عن الاعتداءات والسلوكات العنيفة الناتجة عن مشادات بين الشبان أو استغلال الأقنعة لتصفية حسابات شخصية، فضلا عن تشويه المظهر العام بسبب الروائح الكريهة المنبعثة من الجلود واستخدام مساحيق وأصباغ تثير الفزع، خاصة لدى الأطفال والنساء.
من جانبه، أكد الحقوقي مصطفى بنيعيش لـ"أخبارنا" أن الحق في الاحتفال وممارسة الطقوس التراثية هو جزء لا يتجزأ من الحقوق الثقافية المكفولة دستورياً، مستدركاً في الوقت نفسه بأن ممارسة أي حق ينتهي عندما يبدأ التعدي على حقوق وحريات الآخرين، وأوضح المصدر الحقوقي أن ما يشهده الشارع في بعض المناطق من اعتداءات لفظية أو جسدية، وإجبار للمواطنين على دفع إتاوات تحت مسمى الاحتفال، يشكل انتهاكاً صارخاً لحرية التنقل والأمن الشخصي للأفراد، وهو ما يستدعي تدخلا حازما من السلطات لتطبيق القانون وحماية الفضاء العام.
وأمام هذا الانقسام، يرى عدد من المغاربة المتابعين للشأن الثقافي بالمملكة أن الحل لا يكمن في المنع المطلق الذي قد يقضي على موروث لامادي هام، ولا في الترك العشوائي الذي يهدد سلامة المواطنين وطمأنينتهم، بل تتعالى الأصوات الداعية إلى ضرورة إخضاع احتفالات "بوجلود" لتقنين صارم، من خلال منح تراخيص مسبقة لجمعيات المجتمع المدني لتنظيم الكرنفالات بشكل مؤطر، وتحديد مسارات وأوقات زمنية محددة للاحتفال تفادياً لعرقلة حركة السير أو إزعاج الساكنة ليلاً، مع التنسيق الوثيق مع المصالح الأمنية لضمان مرور الأجواء في طابعها الفرجوي السلمي، ليبقى "بوجلود" مرآة تعكس التدافع الطبيعي داخل المجتمع المغربي بين الرغبة الجارفة في الحفاظ على الأصالة والهوية، وبين الحداثة والالتزام بسلطة القانون والنظام العام.
