بين الهوية والنسيان.. "زيطان" تعيد تشكيل خطاب الذاكرة في "نوستالجيا" وتحتفي برؤية "ناسور" الجمالية

بين الهوية والنسيان.. "زيطان" تعيد تشكيل خطاب الذاكرة في "نوستالجيا" وتحتفي برؤية "ناسور" الجمالية

أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة

في زمنٍ تتسارع فيه الصورة حتى حدود الابتلاع، وتترنّح فيه الذاكرة الجماعية تحت ثقل الاستهلاك والنسيان، يبدو المسرح وكأنه يستعيد موقعه الأول: مساحةٌ لإعادة ترتيب المعنى وإنقاذ ما يوشك أن يتلاشى. ومن هذا المنعطف تحديداً، تبرز قراءة لافتة قدّمتها المخرجة والكاتبة والأستاذة المغربية نعيمة زيطان لمسرحية "نوستالجيا" لمخرجها أمين ناسور، قراءة لا تقف عند حدود الوصف أو الانطباع، بل ترتقي بالعمل إلى مستوى سؤال ثقافي وجمالي أوسع، يمسّ جوهر العلاقة بين الفن والذاكرة والهوية والمجال.

وارتباطاً بالموضوع، نشرت "نعيمة زيطان" قراءةً مطوّلة عبر صفحتها الرسمية على الفيسبوك، قدّمت فيها مقاربة نقدية معمّقة لمسرحية "نوستالجيا"، لم تقتصر على حدود الانطباع أو التقييم الفني السريع، بل امتدت إلى تفكيك بنيتها الجمالية والفكرية، بوصفها تجربة مسرحية تتجاوز العرض التقليدي نحو مشروع ثقافي أوسع يعيد مساءلة علاقة الفن بالذاكرة الجماعية وبالفضاء التاريخي، ويطرح في العمق سؤال وظيفة المسرح في إعادة وصل الإنسان بموروثه وهويته في سياق معاصر متحوّل.

في سياق متصل، تضع زيطان عمل أمين ناسور في قلب تجربة مسرحية تتقاطع فيها الفنون والوسائط، حيث لا يعود المسرح مجالاً منفصلاً، بل يتحول إلى نقطة التقاء بين الموسيقى والرقص والسينوغرافيا والحرف التقليدية والتقنيات الحديثة. هذا التداخل، وفق قراءتها، لا يندرج ضمن منطق الإبهار البصري فقط، بل يؤسس لطبقات أعمق من الدلالة، تجعل من العرض محاولة لإعادة بناء الذاكرة في صيغة حيّة ومعاصرة.

وتشير القراءة إلى أن "نوستالجيا" لا تتعامل مع التاريخ بوصفه خلفية ثابتة، بل كعنصر فاعل داخل العرض، حيث تتحول المواقع الأثرية والفضاءات التاريخية إلى مكوّن أساسي في البناء الدرامي، لا مجرد ديكور بصري. فالأماكن، وفق ذات التصور، تستعيد حضورها الإنساني عبر التفاعل الحي مع الأداء والجمهور، لتغدو جزءاً من الحكاية لا إطاراً لها.

كما تتوقف زيطان عند البعد الاجتماعي للمشروع، معتبرةً أنه يقوم على دينامية إنتاج جماعي واسعة تتداخل فيها تخصصات متعددة: ممثلون وموسيقيون وراقصون وسينوغرافيون وحرفيون وصناع تقليديون وباحثون. هذا التعدد، في نظرها، يحوّل "نوستالجيا" إلى ورشة ثقافية مفتوحة، تتجاوز منطق العرض الفني المحدود زمنياً ومكانياً، نحو منطق إنتاج ثقافي مستمر.

وفي امتداد هذا التصور، تبرز أهمية التفاعل بين الأجيال داخل التجربة، حيث يشتغل شباب في بدايات مسارهم الفني إلى جانب خبرات طويلة في الحرف والفنون والبحث، في عملية تبادل حيّ للمعرفة والخبرة. وهكذا تتحول الخشبة إلى فضاء للتكوين غير الرسمي، يعيد إنتاج المهارات والذاكرة المهنية في آن واحد.

وتلفت القراءة أيضاً إلى أن المشروع يمنح قيمة خاصة للمهن التي ظلت في الظل داخل المنظومات الفنية التقليدية، من صناع تقليديين وحرفيين وموسيقيين تراثيين، حيث لا يُنظر إليهم كمجرد منفذين تقنيين، بل كفاعلين أساسيين في صياغة العمل الفني نفسه، بما يمنح التجربة بعداً اقتصادياً وثقافياً متداخلاً.

على مستوى أوسع، تقرأ زيطان "نوستالجيا" بوصفها محاولة لإعادة بناء صورة الوطن خارج القوالب الجاهزة، فالوطن هنا لا يُختزل في خطاب سياسي أو حدود جغرافية، بل يُستعاد كنسيج حي من الحكايات والرموز واللغات واللباس والعمارة والطقوس، يُبنى أمام المتفرج لحظة العرض كخبرة حسية وجمالية متكاملة.

وتخلص القراءة إلى أن التجربة، في جوهرها، لا تشتغل فقط على استحضار الماضي، بل على إعادة دمجه في الحاضر، عبر تحويل التراث من مادة محفوظة إلى طاقة إنتاج حيّة قادرة على توليد المعنى. وهو ما يجعل المسرح، في هذا النموذج، يتجاوز وظيفته التقليدية كفرجة، ليقترب من كونه أداة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي.

في المحصلة، كما ترى نعيمة زيطان هذا العمل، لا يتعلق الأمر بمجرد عرض مسرحي، بل بتجربة ثقافية شاملة تعيد طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للفن أن يعيد للذاكرة صوتها، وللوطن قدرته على أن يتذكّر نفسه؟


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة