طفلة مغربية تفجّر مفاجأة في روتردام.. "خاتمي" تقتسم جائزة أفضل ممثلة مع نجمة مصرية شهيرة
أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة
أسدل أول أمس الأحد الستار عن الدورة السادسة والعشرين من مهرجان روتردام للفيلم العربي، عقب مضي خمسة أيام مكثفة من العروض السينمائية واللقاءات المهنية والبرامج الثقافية، قبل أن تُختتم بحفل جمع أسماء بارزة من عالم السينما العربية والدولية، من بينهم لبلبة وظافر العابدين وديمة قندلفت والفنان السوري جهاد عبده، إلى جانب حضور لافت لنقاد وصناع السينما من هولندا وخارجها.
غير أن وهج هذه الأسماء الوازنة وحجم التظاهرة، بكل ما حملته من تنوع وتعدد في الجوائز، بدا وكأنه يتراجع لحظة واحدة أمام حدث فني استأثر بكثير من الاهتمام وأعاد رسم ملامح النقاش داخل المهرجان: التتويج المغربي اللافت للطفلة "صفاء ختامي" بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم "ميرا" للمخرج نور الدين الخماري.
هذا التتويج لم يكن مجرد مفاجأة ظرفية في سياق منافسة عربية محتدمة، بل لحظة فنية ثقيلة الدلالة، حيث وجدت طفلة مغربية نفسها في قلب معادلة تمثيلية معقدة، وهي تتقاسم الجائزة مناصفة مع النجمة المصرية "نيللي كريم"، إحدى أبرز الأسماء النسائية رسوخًا في السينما والدراما العربية، والمتوجة عن دورها في فيلم "القصص" للمخرج أبو بكر شوقي.
وبين مسارين متباينين حدّ التناقض، يبرز أحدهما كتجربة فنية ممتدة راكمت الخبرة والجوائز، فيما يتشكل الآخر كموهبة في بداياتها الأولى، جاءت النتيجة لتكسر منطق التراتبية التقليدية في التمثيل، وتمنح الأولوية المطلقة لصدق الأداء وعمق الإحساس، بعيدًا عن الاعتبارات السابقة أو ثقل الأسماء.
وتتضاعف أهمية هذا التتويج حين يُقرأ داخل سياق فيلم "ميرا" نفسه، العمل الذي صاغه نور الدين الخماري برؤية إخراجية تقوم على تفكيك الهشاشة الإنسانية وملاحقة التوترات الداخلية للشخصيات في فضاء بصري مشحون بالواقعية والتكثيف النفسي. في هذا العالم الدرامي الصعب، حيث لا مجال للزيف أو المبالغة، برز أداء صفاء خاتمي كعنصر استثنائي، قائم على تلقائية محسوبة وصدق عاطفي مكثف، مكّنها من حمل ثقل شخصية كاملة دون أن تفقد توازنها أمام عدسة كاميرا لا ترحم.
وإذا كان هذا التتويج قد شكّل لحظة مفصلية في حضور السينما المغربية داخل المهرجان، فإنه يعكس أيضًا تحوّلًا أعمق في مسارها العام، حيث لم يعد الحضور المغربي يقتصر على المشاركة أو التمثيل الرمزي، بل بات يفرض نفسه داخل لحظات الحسم والتتويج، في مواجهة أسماء عربية راسخة ذات حضور تاريخي طويل. وهو ما يمنح فوز الطفلة صفاء بعدًا يتجاوز شخصها، ليصبح علامة على دينامية جديدة في المشهد السينمائي المغربي، قوامها الجرأة في اختيار الوجوه، والرهان على الموهبة الصاعدة، وإعادة تعريف مفهوم "النجم" داخل الفضاء السينمائي.
وفي مقابل هذا الحدث المغربي الذي طغى على النقاش، توزعت باقي جوائز الدورة بين عدد من الأعمال العربية التي عكست تنوعًا في الرؤى والأساليب، من السينما الروائية إلى الوثائقية والقصيرة، حيث حافظ المهرجان على طابعه كمنصة جامعة للتجارب المختلفة، لكن دون أن يتمكن هذا التنوع من سحب الضوء من اللحظة المغربية التي بدت الأكثر كثافة وحضورًا في ذاكرة الدورة.
وهكذا، يخرج مهرجان روتردام في نسخته الأخيرة بصورة مشهد عربي متحول، تتعدد فيه الأصوات وتتصادم فيه التجارب، غير أن هذه الفسيفساء السينمائية، بكل ما فيها من أسماء وأفلام، انتهت إلى تثبيت حقيقة واحدة فرضت نفسها بقوة: أن لحظة صفاء خاتمي المغربية لم تكن مجرد تتويج عابر، بل إعلانًا مبكرًا عن موهبة قادمة بقوة إلى قلب المشهد السينمائي العربي.
