الاتحاد الاشتراكي
سجلت أسعار المواد الاستهلاكية ارتفاعات همت العديد من السلع غير المستفيدة من دعم صندوق المقاصة، وهمت الزيادات بشكل خاص أسعار الخضر واللحوم والأسماك، وإذا كان جانب من هذا الغلاء يجد تفسيره في الظرفية المتميزة بصعوبة جني الحقول التي لا تزال غارقة في الأوحال وبتمديد عطلة عيد المولد النبوي, ثم بنشاط المضاربين في مثل هذه الظروف، فإن الجانب الآخر يرتبط باستقرار أسعار المواد الغذائية في الأسواق الدولية في مستويات مرتفعة.
الغلاء المسجل يختلف مستواه من منطقة إلى أخرى، وقد كان لإعلان الحكومة عن ضخ 15 مليار درهم في صندوق المقاصة ليصل رصيده الإجمالي إلى 32 مليار درهم دور كبير في الحد من وتيرة الغلاء, علما بأن مجرد ارتفاع أسعار البترول الأمريكي إلى أزيد من 86 دولارا للبرميل وأسعار البرنت إلى أزيد من 102 دولار للبرميل، كان يفترض الزيادة في أسعار نقل السلع بمستويات تلحق أضرار بليغة بالقدرة الشرائية لدوي الدخل المحدود.
إن إيجابيات ضخ 15 مليار دولار في صندوق المقاصة لا تعد ولكنها في نفس الوقت لا تخفي سلبياتها، ذلك أن هذه الأموال لم تمطر بها السماء، وإنما تم تحويلها من خانات أخرى، من أبرزها خانة الاستثمار، إلى خانة الاستهلاك، فالمغرب الذي استفاد كثيرا من خيار الاستثمار في البنيات التحتية كالموانئ والطرق في عز الأزمة الاقتصادية العالمية، غير المنحى واتجه نحو الرفع من ديونه الخارجية ونحو تقليص وثيرة الاستثمار,
التحول الظرفي يمكن تداركه بإقرار نهج يقوي خيارات الاعتماد على الإمكانيات الذاتية في مجال تحقيق الأمن الغذائي وتثمين الشغل والتوزيع العادل لفائض القيمة، فبعد أن أسفر رفع مخزون الدول العظمى من المواد الأولية، كالبترول والحبوب إلى ما يزيد بكثير عن حاجياتها عن ارتفاع الأسعار إلى مستويات تضرب في العمق الخيارات العالمية القائمة على محاربة المجاعة، فإن المغرب، الذي يعتبر من بين الدول التي تعتمد كثيرا على الاستيراد في تحقيق أمنها الغذائي، صار مطالبا بمراجعة أولوياته وبجعل الأمن الغذائي من أولى الأولويات، فما يمكن للمغرب أن يجنيه مثلا من تحويل المياه من الشمال، المتميز بارتفاع معدل التساقطات المطرية وبتفريغ ملايير الأمتار المكعبة في البحر، إلى الوسط الذي يواجه مشاكل ضعف معدل التساقطات وعدم نظاميتها، أهم بكثير مما يمكنه أن يجنيه من بناء خط السكك الحديدية الفائق السرعة بين الدار البيضاء وطنجة, خاصة أن توفير شبكة حديدية بسرعة منتظمة في حدود 180 كيلومترا في الساعة وممتدة إلى أكادير والعيون، أهم بكثير من توفير قطار يسير بسرعة 320 كيلومترا في الساعة ويؤمن المزيد من الرفاه لقلة قليلة من الميسورين.
إن هيمنة المصلحة الوطنية على خيارات الدول العظمى فرضت ارتفاع أسعار القمح خلال شهر فبراير الجاري في رووون ROUENالفرنسية إلى حوالي 268 أورو للطن أي ما يعادل ضعف ما كانت عليه قبل 8 أشهر، وبالمقارنة مع أسعار فبراير 2010 فإن أسعار الذرة ارتفعت من 135 أورو إلى 230 أورو كما أن أسعار الشعير ارتفعت من 100 إلى 200 أورو، وبذلك ارتفعت كلفة إنتاج اللحوم بما فيها الحمراء والبيضاء، وهذا المنحى شمل كذلك طورطو الصوجا المستعمل في صناعة الزيوت, إذ ارتفع سعر الطن من صوجا البرازيل من 250 أورو في دجنبر 2009 إلى 290 أورو في يونيو 2010 ومنها إلى 360 أورو في فبراير 2011.
مضت عدة سنين على توجيه الانتقادات للكيفية التي تصرف بها ميزانية صندوق المقاصة، وكان أهم انتقاد هو أنه يخدم مصالح الفئات الميسورة أكثر مما يخدم مصالح الفقراء، وإذا كانت تجربة الشيك الاجتماعي المشروط بالتمدرس والتطبيب لم تعمم، رغم الإقرار بنتائجها الإيجابية في المناطق التي طبقت فيها، فإن توجه أسعار المواد المعنية بصندوق الدعم في الأسواق الدولية يعد بالمزيد من الضغط على هذا الصندوق ويفرض البحث عن حلول تؤمن صرف موارده في المجالات التي رصدت لها، ويفرض أكثر من ذلك العمل على تقليص الاعتماد عليه برفع وثيرة الاستثمار في المشاريع المنتجة للشغل وبإقرار علاقات شغل تِؤمن العيش الكريم وتشجع على الإنتاج بوثيرة مرتفعة وبجودة عالية، فبعد أن تزايدت حاجيات الجيل الجديد، وحولت الهاتف المتنقل والأنترنيت إلى ضروريات تزيد من أعباْء أرباب الأسر، فإن التغلب على هذه الضغوط لن يتحقق بضخ ميزانيات الاستثمار في ميزانيات الاستهلاك وإنما بالاستثمار في الإنتاج وفي الموارد البشرية.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.