القائمة الرئيسية
أخبارنا

من أجل سياسة صناعية عمومية جديدة

من أجل سياسة صناعية عمومية جديدة

النموذج الأسيوي يقدم للمغرب المثال الذي يحتذي

صرح محمد رضا الشامي، وزير التجارة والصناعة، عقب زيارة اسيوية، ان المغرب يجب ان يطور علاقاته الاقتصادية مع البلدان الاسيوية، ويعبر هذا التصريح عن وعي بما باتت تمثله الدول الصاعدة، وعلى رأسها الاسيوية، من ثقل الاقتصاد العالمي، ولهذا التصريح أكثر من دلالة.


البلدان الآسيوية باتت قاطرة النمو العالمي، ومرشحة لأن تلعب هذا الدور بشكل أكبر في المستقبل، وبقدر ما تصدر إلى الأسواق العالمية مختلف السلع المصنعة، فلهي تمثل أسواق ذات قدرات استيعابية قابلة للتطور بسرعة في ظل النمو المرتفع، وتحسن مستويات المعيشة، وتغير العادات الاستهلاكية، والانفتاح على العالم، غير ان توفر هذا الوعي وحده لا يكفي، لأن التجربة المغربية أكدت أننا لا نستفيد إلى الان، على النحو المطلوب من الإمكانيات المتاحة في أسواق أقرب لنا من الأسواق الاسيوية البعيدة، تربطنا بها علاقات خاصة، واتفاقيات تترتب عنها امتيازات، سواء منها السوق الأوروبية أو أسواق البلدان، التي لما معها اتفاقيات للتبادل الحر كالولايات المتحدة، وبلدان تصريح أكادير وتركيا، بحيث يتفاقم عجز ميزاننا التجاري معها ولا نجلب منها استثمارات مباشرة مرفوقة بتمويلات طرية على امتداد السنوات الأخيرة.


والبين أن ذالك ناتج عن أوجه عجز متعددة تتجلى في محدودية تنوع الإنتاج المغربي ومحدودية العرض للتصدير، خارج الفوسفاط ومشتقاته التي تصل إلى السوق الاسيوية، سواء من حيث الحجم أو التنوع، وغياب ثقافة قادرة على التحرر من التمحور حول السوق الأوروبية، وبالخصوص منها الفرنسية، التي تحول الارتباط بها إلى حبال مكبلة، وبالخصوص الضعف الصناعي.


فالتعامل مع البلدان الصاعدة، إذا كان يجب أن يدرج في جدول الأعمال الوطني الان، قبل الغد للتكيف مع التغيرات العالمية الجارية، فإنه يجب أن يتحرر من أوهام قد تتحول بالترويج لها هكذا بالكلام إلى ديماغوجية مكروروة، ولذلك من الواجب الانتقال إلى وضع مخطط متناسب، والطموح إلى جعل ذلك التكيف ممكنا سواء على صعيد المبادلات التجارية وجلب الاستثمارات المنتجة أو السياحة أو نقل التكنولوجيا والخبرات... مخطط يتسم بوضوح أهدافه ووسائله واليات تنفيذه وحكامه ذلك التنفيذ.. ما يعني الابتعاد عن بعض البرامج ذات الطابع اليوتوبي والدعائي، التي يتبين يوميا بعدها عن الواقع وصعوبة إدخالها إلى حيز التنفيذ أو حتى إنتاجها لمفاعيل عكسية، نظرا لكلفتها الباهضة مقارنة مع ما هو متوقع منها، وكذلك عن منطق صب المال العام دون طائل، لتمويل عقود برامج مترتبة عن تلك البرامج ولا تحقق الغرض المتوخى منها، وتساهم فقط في إغنائها سهل لمتصيدي الفرص، الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، ومن أين يتسربون لجني المنافع بسهولة، وبعلاقات ليست بعيدة عن الشبهة بالفساد، والعمل، بالتالي، على وضع برامج واستراتيجيات مضبوطة وقابلة للتحقق على أرض الواقع من طرف المغاربة قبل غيرهم وضمان قدر كبير من الالتقائية في ما بينها على أساس أن الدولة والإدارة ليست جزرا تدافع كل واحدة منها على عزلتها كما هو عليه الحال اليوم.


التكيف مع المتغيرات

ما من شك في أن أي مخطط وطني قابل للنجاح في تحقيق تكيف الاقتصاد الوطني مع تغيرات العالم الحالية والمقبلة، يجب أم يولي للسياسة الصناعية أهمية كبرى وأساسية لأن الصناعة قادرة على وضع بلادنا في الطريق الصحيح لاكتساب التنافسية في مواجهة قوى صاعدة تغزو الأسواق، بما فيها السوق المغربية، بقدرات هائلة، وهي أيضا، قادرة على الرفع من معدل النمو ليتجاوز محدوديته، المستمرة رغم بعض التحسن في العشرية الأخيرة، وعلى توفير عدد من مناصب الشغل القارة والكريمة للشباب، الذي تتعاظم بطالة متعلمية، والحال أن القطاع الصناعي في المغرب يوجد اليوم في وضعية غير مرضية بحيث تراجعت نسبة مساهمته في تكوين الناتج الداخلي الخام إلى 12 في المائة، وهو تراجع مستمر سنة بعد أخرى منذ سنوات نتج عنه تراجع أكبر على مستوى قدرات القطاع في ميدان التشغيل، ومن المثير جدا أن هذا التراجع صادف تولي صلاح الدين مزورا لوزارة الصناعة وإعلانه عن إستراتيجية جديدة جعلت منه شخصية بارزة، دون أن تحقق أي أثر يذكر في الواقع الصناعي رغم الأموال المستهلكة.


والبين اليوم، أن القطاعات الصناعية التقليدية بالمغرب تواجه عواصف عالمية، من بينها تفكيك، الاتفاقية المتعددة الألياف في ميدان النسيج، وانتفاء المعاملة التفضيلية، التيلا كان يحظى بها المغرب في السوق الأوروبية، كما أن قدرتها على تحقيق النمو محدودة، وهذا ما يعكسه معدل نمو النسيج والألبسة المتراجع، ونمو الصناعات الغذائية المحدود جدا، وهما معدلان يدلان على ضعف وهشاشة القطاعين وكل الصناعة المغربية، بما في ذلك بعض القطاعات الجديدة الضعيفة الانفتاح على الأسواق غير التقليدية والشركاء التقليديين، وهي هشاشة ناتجة عن بنية مكونة من مقاولات صغرى في الأغلب الأعم تنتمي إلى المقاولات العائلية المغلقة والضعيفة الانفتاح على الاستثمار، وعلى التنمية والبحث، والمتميزة بحاكمه بعيدة عن الممارسات الجيدة في عالم اليوم، وغير المفتوحة كذلك على التحالفات اللازمة، في إطار" كونسيرسيومات". للتكيف مع طلبات أسواق كبرى كالسوق الأمريكية، الذي يتأكد يوميا العجز في التعامل معها رغم فرصها المهمة.


إن المغرب مهدد اليوم، بالبقاء رهينة لقطاعاته التقليدية تحت ضغط لوبيات المصالح العائلية، التي تجد الدعم هنا وهناك بأساليب واضحة وأخرى ملتوية، وللهشاشة الطاغية، وهذا ما من شأنه أن يبقى النمو ضعيفا ومتعلقا بأحوال الطقس، وما من شأنه أيضا، أن يفاقم عجز ميزانية التجاري، ويجعل ماليته الخارجية في وضعية حرجة، مع استهلاك عائدات السياحة وتحويلات المهاجرين، التي تغطي هذا العجز بطريقة السفيه، الذي يخسر إرث واليده، وتجاوز هذا التهديد ممكن فقط بإعادة الاعتبار للسياسة الصناعية عبر مخطط مدروس وشامل وقابل للتنفيذ،يولي للصناعة مكانة مميزة، إلى جانب الخدمات، التي يمضي تطورها نحو انقطاع خطير عن باقي القطاعات، دون أن تتحرر من الهشاشة هي أيضا، بما في ذلك هشاشة مناصب الشغل.


كما أن السياسة الصناعية لا يمكن أن تختزل في تخفيضات ضريبية تزيد من حجم النفقات الضريبة، ولا تكون لها من نتيجة سوى زيادة غنى البعض وإفقار بقية الشعب المغربي، وتعميق الهوة الفاصلة بين أقليته وأغلبيته، ولا يمكن أن تختزل في إحداث صناديق عمومية تمول من المال العام لتمويل المصالح الخاصة، ولا في اتفاقيات يتبين في ما بعد أن نتيجتها منافية لما بررت به في الأصل.


بدائل


نحو سياسة صناعية أكثر فاعلية

وضع سياسة صناعية يتطلب بكل تأكيد حوارا وتشاورا مع ممثلي رجال الاعمال، وبالأخص منهم الصناعيون ، لكنه يجب الحذر من أن هؤلاء ينظرون إلى الأمر من منظار فئوي يركز على الربح، ومن أن الكونفدرالية العامة للمقاولات لا تمثل كل القطاع المقاولاتي بالمغرب، وأنها خاضعة لسيطرة مقاولات كبرى لها من الإمكانيات ما يجعلها في غير حاجة إلى مساعدة الدولة، وواعتبارها قادرة على طلب الدراسات، ووضع البرامج لا يعني انها تشتغل بأفق يتجاوز حدود المصالح الممثلة داخلها والمؤثرة في قرارتها بشكل أساسي، لذلك لا يمكن تخويلها، بأي حال من الأحوال، الحلول محل الحكومة لأن السياسيات العمومية غير قابلة للتدبير المفوض والحكومة مسؤولة عنها أمام الناخبين إذا ما جرت انتخابات مقبلة، بعيدا عن الممارسات غير القابلة للاستمرار، وأصبح تقديم الحساب للمواطنين الناخبين قاعدة ذهبية معتمدة من دخول الحكمومات إلى خروجها. ولا بد في أي حوار أو تشاور من أجل إعادة الاعتبار للسياسة الصناعية في أي أفق، من إشراك كل الأطراف المعنية، ومنها هذه الغرف المهنية، التي همشت ودجنت وتحولت إلى مجرد سلم يستعمل في الانتخابات للصعود إلى مجلس المستشارين للحصول على الحصانة البرلمانية، ومنها أيضا، النقابان العمالية، لأن نجاح أية سياسة صناعية، يقتضي اندراجها ليس فقط في إطار مخطط، بل في إطار عقد اجتماعي يتغتا جعل التنمية هدفا جماعيا، ويحرص على توزيع ثمارها بشكل عادل ويخدم تنمية بشرية حقيقة.



المشهد

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.