نمو 4.9% وعجز يتقلص وبطالة تقاوم.. ماذا تخفي أرقام والي بنك المغرب بين يدي الملك؟

نمو 4.9% وعجز يتقلص وبطالة تقاوم.. ماذا تخفي أرقام والي بنك المغرب بين يدي الملك؟

أخبارنا المغربية- حنان سلامة

استقبل الملك محمد السادس، مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن، يوم الاثنين بالقصر الملكي بتطوان، والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري، الذي رفع إلى جلالته التقرير السنوي للبنك المركزي حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية للمملكة برسم سنة 2025. 

ووراء الطابع البروتوكولي لهذا اللقاء السنوي، تحمل الأرقام التي عرضها الجواهري دلالات تستحق قراءة تحليلية متأنية، بين مؤشرات مشجعة وأخرى لا تزال تشكل تحدياً حقيقياً للسياسات العمومية.

نمو بـ4.9%.. أداء لافت في محيط دولي مضطرب

أبرز ما جاء في عرض والي بنك المغرب هو تسجيل الاقتصاد الوطني نمواً بنسبة 4.9% خلال سنة 2025، وهو رقم يتجاوز التوقعات في ظل ما وصفه الجواهري بـ"محيط خارجي يطبعه توالي الصدمات واستمرار حالة اللايقين". المثير في هذا الرقم أنه يأتي مدعوماً بشكل أساسي بـ"مجهود كبير في الاستثمار"، وليس فقط بعوامل ظرفية أو موسمية، ما يمنحه طابعاً أكثر استدامة مقارنة بسنوات سابقة كان فيها النمو مرتبطاً بشكل كبير بتقلبات الموسم الفلاحي.

هذا الأداء، إذا ما قورن بمعدلات النمو المتواضعة التي عرفها المغرب خلال العقد الماضي (والتي لم تتجاوز في المتوسط 2 إلى 3%)، يعكس فعلاً تسارعاً ملموساً في وتيرة الاقتصاد الوطني، لكنه يبقى في الوقت نفسه رقماً يحتاج إلى ترسخ على مدى عدة سنوات متتالية حتى يمكن الحديث عن "تحول هيكلي" حقيقي بدل "انتعاشة ظرفية".

تضخم مستقر عند 0.8%.. مكسب حقيقي للقدرة الشرائية

من أبرز الإشارات الإيجابية أيضاً استقرار معدل التضخم عند مستوى منخفض جداً بلغ 0.8%، بعد سنوات شهد فيها المغرب، على غرار باقي دول العالم، موجة غلاء حادة بلغت ذروتها سنة 2022. هذا التراجع اللافت في وتيرة ارتفاع الأسعار يُعد مؤشراً مهماً على نجاح السياسة النقدية لبنك المغرب في ضبط التوازنات، وهو ما ينعكس نظرياً بشكل مباشر وإيجابي على القدرة الشرائية للمواطنين، ولو أن هذا "المكسب النظري" لا يُترجم دائماً بنفس الوضوح في الإحساس اليومي للمواطن بتكلفة المعيشة.

عجز الميزانية يتراجع إلى 3.5%.. انضباط مالي متواصل

على صعيد المالية العمومية، أشار الجواهري إلى أن عجز الميزانية واصل مساره التنازلي ليستقر عند 3.5% من الناتج الداخلي الإجمالي، بفضل أداء جيد للمداخيل الجبائية وعائدات مهمة حققتها آليات التمويل المبتكرة. هذا التراجع التدريجي في العجز يعكس انضباطاً مالياً متواصلاً من طرف الحكومة، ويمنح هامش مناورة أكبر لتمويل الأوراش الكبرى دون اللجوء المفرط للاستدانة، وإن كان لا يزال بعيداً عن العتبات التي تعتبرها المؤسسات المالية الدولية "مريحة" بشكل كامل.

البطالة عند 13%.. الحلقة الأضعف في المشهد الاقتصادي

في المقابل، لم يُخفِ والي بنك المغرب أن سوق الشغل يبقى نقطة الضعف الأساسية في هذه الحصيلة. فرغم أن انتعاش النمو مكّن من خلق مناصب شغل إضافية، إلا أن هذا التحسن لم يكن كافياً لإحداث انخفاض ملموس في معدل البطالة، الذي استقر عند 13%. 

هذه المفارقة بين نمو اقتصادي قوي واستمرار معدل بطالة مرتفع نسبياً تُعرف اقتصادياً بـ"النمو غير الدامج للتشغيل"، وهي ظاهرة تستدعي تدخلات هيكلية تتجاوز مجرد تحفيز الاستثمار العام، لتشمل تشجيع القطاعات كثيفة اليد العاملة وتحسين ملاءمة التكوين المهني لحاجيات سوق الشغل.

فجوة الإدراك.. حين لا تلتقي الأرقام بالشعور اليومي

من أكثر النقاط التي حملت طابعاً تحليلياً نادراً في خطاب رسمي، اعتراف الجواهري صراحة بوجود "فجوة" بين الأداء الاقتصادي المقاس وفق منهجية علمية دقيقة، وبين الانطباع الفعلي الذي يحمله المواطنون عن وضعهم المعيشي، ووصف هذه الظاهرة بأنها "عالمية" وليست خاصة بالمغرب، تعزى لعدة عوامل من بينها طريقة توزيع ثمار النمو بين مختلف الفئات الاجتماعية والمجالية. 

هذا الاعتراف يحمل أهمية خاصة لأنه يقر ضمنياً بأن الأرقام الكلية الإيجابية (كنسبة النمو أو التضخم) لا تعني بالضرورة تحسناً محسوساً في حياة المواطن العادي، خصوصاً في ظل استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية.

قراءة إجمالية: نمو واعد يبحث عن توزيع أكثر عدالة

في المحصلة، ترسم أرقام التقرير السنوي لبنك المغرب صورة اقتصاد وطني يحقق أداءً كلياً إيجابياً ولافتاً في سياق دولي صعب، لكنه لا يزال يواجه تحديات هيكلية عميقة، أبرزها معضلة التشغيل والفوارق الاجتماعية والمجالية. وكما لخّص الجواهري بنفسه، فإن بلوغ مصاف الدول الصاعدة اقتصادياً واجتماعياً لن يتحقق فقط بمواصلة تحسين وتيرة النمو، بل يستلزم بالدرجة نفسها توزيعاً أفضل لثمار هذا النمو على مختلف فئات المجتمع وجهات المملكة، وهو ما يبقى، بشهادة الوالي نفسه، الرهان الأكبر للمرحلة المقبلة.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة