منذ أسابيع، بات مشهدا متكررا في متاجر كبرى حول العالم: رفوف السردين المعلب فارغة أو شبه فارغة، أو تقتصر على أصناف محدودة تُباع بأثمنة أعلى مما اعتاد عليه الزبناء. رُصدت هذه الظاهرة في سلاسل أمريكية معروفة وامتدت إلى متاجر أوروبية ثم بلغت أستراليا أيضا، في علامة واضحة على وجود أزمة عالمية طالت سلعة كانت تُعد من أرخص وأبسط مصادر البروتين المتوفرة.
ويعود جزء كبير من هذه الأزمة إلى تراجع حاد في كميات السردين المصطاد بالمغرب، الذي يُعد أكبر منتج ومصدر لهذه السمكة في العالم. فبين ارتفاع حرارة مياه المحيط، واضطراب العوالق البحرية التي يتغذى عليها السردين، وسنوات طويلة من الضغط على هذا المورد الطبيعي، باتت السمكة أقل عددا وأصغر حجما في أغلب مناطق الصيد، وهو ما أكدته أيضا اتحادات التصنيع المغربية نفسها.
وفي خضم هذا التراجع الطبيعي، جاء قرار سيادي مغربي ليعيد توجيه بوصلة هذه المادة الأولية بالكامل؛ إذ قررت الرباط، مطلع فبراير من هذه السنة، تقييد تصدير السردين الطازج والمبرد والمجمد عبر نظام تراخيص خاص، تفعيلا لسياسة تعطي الأولوية للسوق الداخلية وتهدف إلى كبح الأسعار المحلية. وبهذا القرار، لم تعد كميات السمك المجمد التي كانت تشتريها مصانع أوروبية لتعليبها داخل حدودها متاحة كما كانت، وباتت السمكة تبقى أقرب إلى المصنع المغربي والمائدة المغربية، بدل أن تسافر نحو خطوط الإنتاج بإسبانيا والبرتغال.
وكانت إسبانيا تحديدا من أكبر المستفيدين من السردين المغربي المجمد، إذ تعتمد عليه بشكل شبه كلي في وارداتها من خارج الاتحاد الأوروبي، فيما استوردت دول الاتحاد ككل كميات معتبرة من المعلبات والتحضيرات المغربية الجاهزة. وسرعان ما بدأت مصانع منطقة غاليسيا الإسبانية، المعروفة تاريخيا بصناعة تعليب الأسماك، تحذر من نقص المادة الخام، لتصف لاحقا سلاسل توزيع ألمانية الوضع بأنه توتر حقيقي في التموين يطال حتى العلامات التجارية الكبرى.
لم يكن انكماش العرض وحده وراء الأزمة؛ إذ تزامن مع ذلك ارتفاع لافت في الطلب العالمي على علب السردين، مدفوعا بموضة غذائية انتشرت بقوة عبر منصات التواصل الاجتماعي، أعادت تقديم هذه العلبة الرخيصة كمصدر سريع وعملي للبروتين وأحماض أوميغا 3.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.