الجيل زد في سوق العمل.. جيل مزعج أم مرآة كشفت تعب الجميع؟

الجيل زد في سوق العمل.. جيل مزعج أم مرآة كشفت تعب الجميع؟

أخبارنا المغربية - وكالات

دخل الجيل زد سوق العمل حاملاً أسئلة لم تكن الأجيال السابقة تطرحها إلا همسًا: لماذا يُنظر إلى الإرهاق كدليل على الاجتهاد؟ ولماذا تُقاس المهنية بعدد ساعات الحضور لا بجودة الإنجاز؟ ولماذا يبقى الحديث عن الصحة النفسية في بيئة العمل موضوعًا حساسًا أو مؤجلًا؟

وأحدث هذا الجيل تأثيرًا تجاوز حدوده العمرية، إذ لم يغيّر فقط طريقة الشباب في النظر إلى العمل، بل دفع موظفين أكبر سنًا إلى مراجعة عادات طويلة كانت تُعامل كمسلمات. فقد أصبح كثيرون يتساءلون إن كان العمل تحت الضغط المستمر بطولة فعلية، أم مجرد نمط قديم جرى توريثه داخل المؤسسات.

وتشير معطيات وزارة العمل الأمريكية إلى أن الجيل زد تجاوز جيل طفرة المواليد في سوق العمل الأمريكي سنة 2023، كما بلغ نحو 18% من قوة العمل خلال الربع الثاني من 2024، مقابل 15% لجيل طفرة المواليد، في حين ظل جيل الألفية صاحب الحصة الأكبر. وتذهب تقديرات أخرى إلى أن الجيل زد قد يشكل نحو 30% من قوة العمل الأمريكية بحلول 2030، ما يعني أن تأثيره لم يعد مجرد “مزاج شبابي”، بل تحول إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل ثقافة العمل.

وغيّر الجيل زد أولًا لغة المؤسسات، حيث أصبح الحديث عن القلق، والاحتراق المهني، والحدود النفسية، والتوازن بين الحياة والعمل جزءًا من نقاشات الموارد البشرية والاجتماعات اليومية. ولم يعد الموظف الشاب يكتفي بالراتب أو المسمى الوظيفي، بل يبحث أيضًا عن بيئة لا تستنزفه، ومدير يفهم معنى المرونة، ومسار مهني يمنحه إحساسًا بالمعنى لا بالضغط فقط.

وأعاد هذا الجيل كذلك تعريف الطموح، فبينما اعتادت أجيال سابقة النظر إلى الترقية باعتبارها مكافأة لا تُرفض، صار كثير من الموظفين أكثر استعدادًا للتساؤل عن ثمن الصعود المهني. وتظهر استطلاعات حديثة أن نسبة كبيرة من العمال قد ترفض ترقية إذا كانت ستؤثر سلبًا على صحتهم النفسية، وهي فكرة لم يعد الجيل زد وحده يتبناها، لكنه جعلها أكثر حضورًا ووضوحًا.

وأثر الجيل زد أيضًا في العلاقة مع التكنولوجيا داخل المؤسسات، فهو لم يتعلم الأدوات الرقمية كمهارة إضافية، بل نشأ وسطها. لذلك لم يعد التعلم داخل العمل يسير في اتجاه واحد من الأكبر سنًا إلى الأصغر، بل أصبح الموظفون الشباب يوجهون زملاءهم ومديريهم في استخدام الذكاء الاصطناعي، وأدوات التعاون الرقمي، وفهم ثقافة المنصات ولغة الجمهور الجديد.

ويكشف هذا التحول عن صعود ما يعرف بـ”الإرشاد العكسي”، حيث يساهم الموظفون الأصغر سنًا في تقليص الفجوة الرقمية داخل الشركات. ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي والعمل الهجين، لم تعد الخبرة مرتبطة بالعمر وحده، بل بالقدرة على فهم ما يتغير بسرعة والتعامل معه بكفاءة.

غير أن حضور الجيل زد في العمل لا يمر دائمًا دون توتر، إذ يرى بعض المديرين أنه جيل قليل الصبر، سريع المطالبة، ولا يمنح التدرج المهني وقته الكافي. في المقابل، يرى هذا الجيل أن كثيرًا من القواعد القديمة لم تكن دليل حكمة بقدر ما كانت إنفاقًا طويلًا للطاقة والصحة والوقت.

ويظهر التعقيد نفسه في موقف الجيل زد من العمل عن بعد، فالصورة النمطية تقول إنه يرفض المكتب بالكامل، غير أن استطلاعات حديثة تشير إلى أن كثيرًا من أفراده لا يريدون العزلة الكاملة خلف الشاشات. فهم يطالبون بالمرونة، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى التعلم المباشر، وبناء العلاقات المهنية، والحصول على التوجيه الذي يصعب تحقيقه في بيئة افتراضية بالكامل.

ويصل الجيل زد إلى العمل محمّلًا بقلق عصره: تكلفة معيشة مرتفعة، وذكاء اصطناعي يعيد رسم مستقبل الوظائف، ومنصات رقمية لا تتوقف، وحدود متآكلة بين الحياة الشخصية والمهنية. لذلك يبدو أكثر استعجالًا في طلب المعنى، وأكثر صراحة في طلب الحماية، وأكثر استعدادًا لمساءلة قواعد كانت تبدو ثابتة لسنوات طويلة.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة