تُعد لغة نافاهو، التي يطلق عليها أبناؤها اسم "ديني بيزاد" (Diné Bizaad)، واحدة من أكثر لغات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية إثارة لاهتمام علماء اللغة، بسبب نظامها الصوتي المعقد وبنيتها النحوية المختلفة بشكل كبير عن اللغات الأوروبية الشائعة.
ويتحدث بها أفراد من شعب النافاهو، الذي يعيش معظم أبنائه في جنوب غرب الولايات المتحدة، خصوصاً في أريزونا ونيو مكسيكو ويوتا. ولا تمثل اللغة بالنسبة إليهم مجرد وسيلة للتواصل، بل جزءاً أساسياً من الهوية والتاريخ والثقافة.
وتبدأ صعوبة نافاهو من طريقة النطق، إذ تعتمد على فروق في النبر والنغمة يمكن أن تؤدي إلى تغير معنى الكلمة. كما تحتوي على مجموعة من الأصوات الأنفية والمزمارية التي قد تكون غير مألوفة للمتحدثين بالإنجليزية أو الفرنسية، ما يجعل تعلم نطقها بدقة تحدياً في حد ذاته.
غير أن الجانب الأكثر تعقيداً يظهر في بناء الكلمات، فناڤاهو من اللغات التي تستطيع دمج عدد كبير من المعلومات داخل كلمة واحدة، بحيث يمكن لما يبدو "كلمة" أن يؤدي معنى جملة كاملة في لغات أخرى.
وتحتل الأفعال مكانة مركزية في هذا النظام، إذ يمكن أن يتغير الفعل المستخدم بحسب طبيعة الشيء الذي يقع عليه الفعل. فالتعبير عن "إعطاء" شيء، مثلاً، قد يختلف بحسب ما إذا كان الجسم مستديراً أو طويلاً وصلباً أو مرناً، إضافة إلى تغيرات أخرى مرتبطة بطريقة حدوث الفعل واستمراره وتكراره.
كما ترتبط بعض قواعد نافاهو بكيفية تصنيف الأشخاص والحيوانات والأشياء في العالم المحيط، وهو ما يجعل تعلمها أكثر من مجرد حفظ كلمات وقواعد؛ إذ يتطلب فهم الطريقة التي تنظم بها اللغة العلاقات بين الكائنات والأشياء داخل الجملة.
ورغم هذه الخصوصية، تواجه نافاهو تحدياً في نقلها إلى الأجيال الجديدة مع اتساع استخدام الإنجليزية والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا ظهرت مدارس تعتمد الانغماس اللغوي، إلى جانب برامج جامعية وأدوات رقمية تهدف إلى الحفاظ عليها وزيادة عدد المتحدثين بها.
واكتسبت اللغة أيضاً مكانة تاريخية استثنائية خلال الحرب العالمية الثانية، عندما استخدم أفراد من شعب النافاهو لغتهم في تطوير نظام اتصالات عسكري أمريكي عُرف ببرنامج Navajo Code Talkers، واستُخدم لنقل رسائل عسكرية مشفرة في مسرح المحيط الهادئ.
وهكذا تجمع نافاهو بين التعقيد اللغوي والقيمة الثقافية والتاريخية، وهو ما يجعل الجهود المبذولة للحفاظ عليها مرتبطة ليس فقط بحماية لغة مهددة، وإنما أيضاً بصون جزء من ذاكرة وهوية أحد شعوب السكان الأصليين في الولايات المتحدة.
لغة حيّرت العلماء واستُخدمت في الحرب.. ما سر تعقيدها الاستثنائي؟
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.