يختار بعض الأشخاص إنجاز أعمالهم في المقاهي رغم توفر مكان أكثر هدوءا داخل المنزل، وهو تفضيل قد يرتبط بطبيعة الأصوات المحيطة ووجود الآخرين وتغيير بيئة العمل. وتقدم أبحاث في علم النفس تفسيرات محتملة لهذا السلوك، لكنها لا تثبت أن المقهى يرفع الإنتاجية لدى الجميع أو يناسب مختلف المهام.
وفي هذا السياق، اختبرت دراسة نُشرت سنة 2012 في دورية "Journal of Consumer Research" تأثير الضوضاء في التفكير الإبداعي عبر خمس تجارب. ووجد الباحثون أن مستوى متوسطا من الصوت، بلغ نحو 70 ديسيبل، ساعد على أداء أفضل في مهام إبداعية مقارنة بمستوى أقل بلغ 50 ديسيبل، بينما أضر المستوى المرتفع، عند 85 ديسيبل، بالأداء.
ولتفسير النتيجة، اقترح الباحثون أن الضوضاء المعتدلة تخلق قدرا محدودا من صعوبة معالجة المعلومات، ما قد يدفع إلى التفكير بصورة أكثر تجريدا ويساعد على الربط بين أفكار متباعدة. أما حين يرتفع الصوت كثيرا، فقد يصبح التشتيت أكبر من الفائدة المحتملة لهذه البيئة.
غير أن هذه النتائج تتعلق أساسا باختبارات للإبداع، ولا تعني أن مستوى 70 ديسيبل مثالي لكل شخص أو لكل نشاط. كما أن المقارنة جرت بين ظروف تجريبية محددة، وليست دليلا على أن العمل في أي مقهى سيكون أفضل من العمل في المنزل أو المكتب.
ومن جهة أخرى، يطرح وجود أشخاص يدرسون أو يعملون بالقرب منا تفسيرا إضافيا للشعور بالحافز. وقد يساعد تغيير المكان وتخصيص وقت واضح لمهمة على تسهيل البدء لدى بعض الأشخاص، لكن ذلك لا يكفي للقول إن الاجتهاد ينتقل تلقائيا من شخص إلى آخر.
وفي اختبار لهذه الفكرة، حاول باحثون تكرار نتائج سابقة حول ما يسمى "عدوى الجهد الذهني"، من خلال تجربتين شملتا 176 و120 مشاركا. ولم يجدوا الأثر الذي رصدته الدراسة الأصلية، رغم أن المشاركين المكلفين بالمهام الأصعب زادوا جهدهم كما كان متوقعا.
كما أعاد الفريق تحليل بيانات التجربة السابقة باستخدام نموذج إحصائي أكثر متانة، فلم يستمر ظهور الأثر نفسه. وتشير هذه النتائج إلى أن الاعتقاد بأن مشاهدة الآخرين يعملون تدفعنا بالضرورة إلى بذل جهد أكبر لا يستند إلى دليل ثابت في هذه التجارب.
أما في دراسة الضوضاء، فشملت الأصوات المستخدمة مزيجا من أحاديث وحركة محيطة شبيهة بأجواء المقاهي. وقاس الباحثون الإبداع بمهام تتطلب توليد الأفكار أو اكتشاف الروابط بين الكلمات، دون اختبار جميع الأنشطة التي يمارسها الأشخاص أثناء العمل، مثل مراجعة الحسابات أو تدقيق النصوص الطويلة.
لماذا يفضّل البعض العمل في المقاهي رغم ضجيجها؟
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.