القائمة الرئيسية
أخبارنا

هل يبقى العسل صالحاً للأكل بعد آلاف السنين؟

هل يبقى العسل صالحاً للأكل بعد آلاف السنين؟

منذ سنوات، تتداول مواقع التواصل الاجتماعي قصة مثيرة للدهشة، مفادها أن علماء الآثار عثروا داخل مقابر الفراعنة في مصر على أوانٍ من العسل يعود عمرها إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وأن محتوياتها ظلت صالحة للأكل رغم مرور كل هذه القرون. غير أن البحث في المصادر التاريخية والدراسات العلمية يكشف عن تفاصيل مختلفة، تضع هذه الرواية الشهيرة أمام تساؤلات جدية، دون أن تنفي الخصائص الاستثنائية التي تجعل العسل واحداً من أكثر الأغذية مقاومة للتلف.

وتعود جذور القصة إلى اكتشاف مقبرة الفرعون توت عنخ آمون سنة 1922 على يد عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر، حيث عُثر على أوانٍ وقرابين غذائية كانت جزءاً من الطقوس الجنائزية لدى المصريين القدماء. وتشير ملاحظات الكيميائي ألفريد لوكاس، الذي شارك في فحص محتويات المقبرة، إلى وجود مواد يُحتمل أن تكون من بقايا العسل، لكن السجلات الأثرية المتاحة لا تتضمن دليلاً موثقاً يؤكد أن العلماء تذوقوا هذه المواد أو أثبتوا أنها ما تزال صالحة للاستهلاك البشري.

وفي سنة 2017، حاول مربي النحل والكاتب الكندي رون ميكشا تتبع أصل الحكاية، ليكتشف أنها انتقلت عبر مقالات وروايات متعاقبة دون الاستناد إلى مصدر علمي حاسم. وأوضح أن بقايا العسل القديمة التي خضعت للتحليل لم تكن بالضرورة مادة ذهبية سائلة تشبه العسل الطازج، بل قد تتحول مع مرور الزمن إلى رواسب داكنة وكثيفة، يمكن التعرف على أصلها من خلال السكريات وحبوب اللقاح الموجودة فيها، دون أن يعني ذلك إمكانية تناولها.

لكن المفاجأة أن علماء الآثار عثروا بالفعل على آثار عسل أقدم بكثير من تلك المنسوبة إلى المقابر المصرية، ففي سنة 2003، اكتُشفت أوانٍ خزفية داخل مدفن يعود إلى امرأة عاشت قبل نحو 5500 عام بالقرب من قرية ساكيري في جورجيا، أثناء أشغال مرتبطة بإنشاء خط أنابيب نفطي. وأظهرت التحاليل المجهرية لحبوب اللقاح أن الأواني احتوت على بقايا عسل مصدره أزهار الزيزفون ونباتات المروج، ما قدم دليلاً أثرياً مهماً على استخدام الإنسان للعسل وتخزينه منذ عصور سحيقة.

غير أن هذا الاكتشاف لا يؤكد بدوره إمكانية تناول عسل عمره آلاف السنين، إذ يتعلق الأمر ببقايا مترسبة داخل الأواني وليس بعسل احتفظ بشكله الأصلي وجودته الغذائية. وهنا يظهر الفرق بين قدرة العلماء على تحديد طبيعة مادة قديمة من خلال آثارها الكيميائية، وبين إثبات أنها ظلت آمنة للاستهلاك بعد مرور آلاف السنين، وهو أمر يتطلب فحوصاً مختلفة لا توفرها الروايات التاريخية المتداولة.

ورغم ذلك، فإن قدرة العسل على مقاومة التلف تستند إلى حقائق علمية مثبتة، إذ يتكون العسل الناضج في المتوسط من نحو 80 في المائة من السكريات، مقابل 17 في المائة تقريباً من الماء. ويجعل هذا التركيز المرتفع من السكريات كمية المياه المتاحة لنمو الكائنات الدقيقة محدودة للغاية، في ظاهرة تعرف علمياً باسم انخفاض النشاط المائي، وهو ما يمنع تكاثر معظم البكتيريا والفطريات المسؤولة عن فساد الأغذية.

ولا تتوقف وسائل الحماية الطبيعية للعسل عند انخفاض محتواه المائي، بل تشمل أيضاً درجة حموضته المرتفعة نسبياً، حيث يتراوح الرقم الهيدروجيني عادة بين 3.2 و4.5، وهي بيئة غير ملائمة لنمو العديد من الميكروبات. كما يحتوي العسل على إنزيم تضيفه النحلات أثناء معالجة الرحيق، يسمى "أوكسيداز الغلوكوز"، ويساعد عند تخفيف العسل بالماء على إنتاج كميات محدودة من بيروكسيد الهيدروجين، المعروف بخصائصه المضادة لبعض الكائنات الدقيقة.

ومع ذلك، فإن مقاومة العسل للتلف لا تعني أنه يحتفظ بجودته إلى الأبد، إذ قد يتغير لونه وطعمه ورائحته مع مرور السنوات، كما يمكن أن تتراجع فعالية بعض إنزيماته وترتفع فيه مستويات مركبات ناتجة عن التخزين الطويل أو التعرض للحرارة. وقد يتحول العسل السائل إلى مادة متبلورة، وهي عملية طبيعية لا تعني في حد ذاتها فساده، ويمكن إعادة تسييله تدريجياً باستخدام حمام مائي دافئ دون تسخينه بصورة مفرطة.

ويظل تعرض العسل للرطوبة من أبرز العوامل التي قد تؤدي إلى تلفه، لأنه يمتص الماء من الهواء المحيط، مما قد يهيئ ظروفاً مناسبة لنشاط بعض الخمائر وحدوث التخمّر. ولهذا ينصح المختصون بحفظه في أوانٍ نظيفة ومحكمة الإغلاق، بعيداً عن الحرارة المرتفعة والرطوبة، مع استخدام أدوات جافة عند تناوله، لضمان الحفاظ على خصائصه لأطول فترة ممكنة.

ورغم خصائصه المضادة للميكروبات، فإن العسل ليس معقماً بصورة كاملة، إذ قد يحتوي على أبواغ بكتيريا "كلوستريديوم بوتولينوم"، التي تشكل خطراً على الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة واحدة. ولهذا تحذر السلطات الصحية من إعطاء العسل للرضع، حتى بكميات صغيرة، لاحتمال تسبب تلك الأبواغ في إصابتهم بالتسمم الوشيقي، وهو مرض قد يؤدي إلى مضاعفات عصبية خطيرة.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.