صيف 2026.. "بروفة" حقيقية واختبار مبكر لقدرات المغرب على ضبط فضاءاته العمومية قبل مونديال 2030؟

صيف 2026.. "بروفة" حقيقية واختبار مبكر لقدرات المغرب على ضبط فضاءاته العمومية قبل مونديال 2030؟

أخبارنا المغربية - عبد الإله بوسحابة

مع اقتراب فصل الصيف، يتجدد النقاش حول كيفية تدبير الفضاءات العمومية، خاصة الشواطئ والمناطق السياحية التي تعرف إقبالاً كبيراً للزوار من داخل المغرب وخارجه. وهي مناسبة سنوية لا تقتصر فقط على الاستجمام والترفيه، بل تشكل أيضاً فرصة لقياس مستوى التنظيم، ونجاعة التدخلات العمومية، ومدى نضج السلوك الجماعي داخل الفضاء المشترك.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار صيف 2026 بمثابة "بروفة" حقيقية واختبار مبكر لقدرات المغرب على ضبط فضاءاته العمومية قبل مونديال 2030، بما يحمله هذا الاستحقاق من رهانات كبرى على مستوى التنظيم، والصورة، وجودة الحياة العامة.

ولا يمكن في هذا السياق إنكار كل المجهودات التي تبذلها مختلف مؤسسات الدولة، من سلطات محلية وأجهزة أمنية وجماعات ترابية، من أجل تأمين هذه الفضاءات وتنظيمها خلال كل موسم الصيف. سواء من خلال تعزيز الحضور الميداني، أو تحسين البنيات والخدمات، أو التدخل لمعالجة بعض الاختلالات التي تظهر بشكل موسمي. وهي مجهودات متواصلة تعكس حرصاً واضحاً على ضمان حد أدنى من النظام وجودة الاستقبال.

لكن، ورغم هذه الجهود، لا تزال بعض الإشكالات تعود كل صيف بشكل متكرر، من بينها سوء تدبير بعض المرافق العمومية، والاحتلال غير المنظم لبعض الفضاءات، إلى جانب سلوكيات فردية أو جماعية تساهم في تشويه جمالية الشواطئ وتؤثر على راحة المصطافين. وهي مظاهر لا يمكن اختزالها في طرف واحد، بل ترتبط بتداخل مسؤوليات متعددة.

في المقابل، يظل المواطن طرفاً أساسياً في هذه المعادلة، ليس فقط كمستفيد من الفضاء العمومي، بل كشريك مباشر في الحفاظ عليه. فاحترام النظام، والالتزام بالقواعد التنظيمية، والحفاظ على نظافة الفضاءات، وتفادي السلوكيات العشوائية، كلها عناصر بسيطة لكنها حاسمة في تحديد جودة التجربة الصيفية. فالمسؤولية لا يمكن أن تكون حِملاً على المؤسسات وحدها، بل هي سلوك يومي يبدأ من الفرد نفسه.

ومن المهم التأكيد على أن تطوير الفضاء العمومي لا يرتبط فقط بالتدخلات الأمنية أو الإدارية، بل أيضاً بتطور الوعي الجماعي وثقافة المواطنة. فكلما ارتفع منسوب احترام المواطن للفضاء المشترك، كلما تقلصت الحاجة إلى التدخلات التصحيحية، وتعزز الإحساس بالنظام والراحة لدى الجميع.

كما أن استمرار بعض الممارسات السلبية لا يضر فقط بجودة الحياة اليومية، بل ينعكس أيضاً على صورة البلاد كوجهة سياحية. فالسياحة اليوم لا تعتمد على المؤهلات الطبيعية فقط، بل على جودة التجربة الكاملة التي يعيشها الزائر، من نظافة وتنظيم وأمن وسلوكيات حضارية في الفضاء العام.

وفي هذا الإطار، تكتسي الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030 أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها حدثاً رياضياً عالمياً، بل باعتبارها محطة اختبار لقدرة المغرب على تقديم نموذج متقدم في تدبير الفضاءات العمومية. وهو ما يجعل من السنوات التي تفصل العالم عن هذا الحدث الكروي البارز، فرصة حقيقية لتقوية المكتسبات، ومعالجة الاختلالات، وتكريس ثقافة جديدة في التعامل مع المجال العام.

وإذا كان الحديث اليوم يتركز على صيف 2026 كـ"بروفة" ميدانية، فإن المقارنة مع تجارب دول أخرى احتضنت تظاهرات كبرى تُظهر أن النجاح في مثل هذه الرهانات لا يرتبط فقط بمرحلة الحدث نفسه، بل بالسنوات التي تسبقه. فالفترة الفاصلة عن مونديال 2030 تمثل بالنسبة للمغرب فرصة استراتيجية حقيقية لتنزيل نموذج وطني متكامل في تدبير الفضاءات العمومية، يقوم على الالتقائية بين السياسات العمومية، وتحديث آليات الحكامة المحلية، وتعزيز البعد السلوكي والثقافي لدى المواطن.

 ويكتسي هذا المسار أهمية خاصة بالنظر إلى الرهان السياحي الذي يضعه المغرب في صلب استراتيجيته التنموية، حيث يُنتظر أن يشكل هذا الحدث العالمي رافعة قوية لجذب السياح الأجانب، ليس فقط خلال فترة التظاهرة، بل أيضاً لما بعدها، عبر تحويل التجربة الإيجابية إلى عامل تأثير وتسويق غير مباشر، يدفع الزوار إلى العودة مجدداً ونقل صورة إيجابية عن المملكة في محيطهم وشبكاتهم. وبالتالي، فإن الاستثمار في جودة الفضاء العمومي اليوم هو في جوهره استثمار في صورة المغرب السياحية ومستقبله الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد.

لأجل كل ما جرى ذكره، يمكن القول أن صيف 2026، بهذا المعنى، يشكل بالفعل "بروفة" واقعية واختباراً مبكراً لقدرات مختلف الفاعلين، دولة ومؤسسات ومواطنين، على الارتقاء بجودة الفضاء العمومي. فنجاح هذا الرهان لا يقاس فقط بصرامة القوانين أو كثافة التدخلات، بل أيضاً بمدى تحول السلوك الفردي إلى جزء من الحل بدل أن يكون جزءاً من المشكلة.

وفي النهاية، فإن بناء فضاء عمومي منظم ونظيف وآمن هو مشروع مشترك، لا تملكه جهة واحدة، بل تصنعه الدولة بآلياتها، ويكرسه المواطن بسلوكه اليومي، في أفق استعداد جماعي لرهانات أكبر تنتظر المغرب في أفق 2030.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة