لم تعد نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية التي جرت أمس 23 سبتمبر 2026 مجرد رقم ضمن النتائج الرسمية، بعدما توقفت عند 38.02%، مقارنة بـ50.35% في انتخابات 2021، لتطرح أسئلة سياسية واجتماعية تتجاوز نتائج الاقتراع نفسها. وفي قراءة للدكتور محمد الطيار، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، فإن هذا التراجع اللافت يعكس اتساع فجوة الثقة بين فئات واسعة من المواطنين والمؤسسات المنتخبة، ويضع عزوف الناخبين في صلب النقاش حول علاقة المواطن بالسياسة وجدوى المشاركة الانتخابية.
ويربط الطيار هذا العزوف بتراجع فاعلية الخطاب الحزبي وعجز عدد من الأحزاب عن تقديم برامج ووجوه جديدة قادرة على إقناع المواطن بجدوى صوته، في ظل سياق اقتصادي واجتماعي صعب. فقد ساهم تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، إلى جانب استمرار البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، في تعميق الشعور بأن التغيير الحكومي لا ينعكس بالقدر المنتظر على الحياة اليومية. ويضاف إلى ذلك، بحسب التحليل ذاته، إحساس بفجوة بين المشاريع والأرقام الماكرو-اقتصادية الكبرى وبين واقع الخدمات الأساسية في قطاعات كالتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.
في ذات السياق، يحمل الطيار الأحزاب السياسية جانبا كبيرا من مسؤولية هذا الوضع، بسبب ضعف الديمقراطية الداخلية والاعتماد المتكرر على الأعيان والوجوه التقليدية، مقابل محدودية الإنصات للشارع وتأطير المواطنين. كما أن التلاسن وتبادل الاتهامات بالإخفاق والفساد بين مكونات التحالف الحكومي المنتهية ولايته أسهما، وفق قراءته، في تكريس صورة سلبية عن العمل السياسي وإضعاف الثقة في الخطاب الحزبي، بعدما أصبح المواطن يبحث عن نتائج ملموسة تمس حياته اليومية أكثر من الصراعات والتجاذبات السياسية.
وفي المقابل، لا يعفي التحليل المواطن المقاطع من جانب من المسؤولية، باعتبار أن الابتعاد عن المشاركة قد يترك المجال لاستمرار النخب والممارسات نفسها عبر كتل انتخابية أكثر انتظاما وتوجيها. ومن هنا، فإن إعادة بناء الثقة لا يمكن أن تكون مهمة انتخابية موسمية، بل مسارا طويل الأمد يتطلب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الفساد السياسي بشكل ملموس، وتجديد النخب الحزبية والحكومية، مع إفساح المجال أمام الطاقات الشابة وصياغة برامج واقعية تضع الأولويات الاجتماعية للمواطن في صلبها.
وهكذا، فإن رقم 38.02% لا يختزل فقط عدد من وصلوا إلى صناديق الاقتراع، بل يفتح سؤالا أوسع حول علاقة المواطن المغربي بالسياسة والأحزاب والمؤسسات المنتخبة. وفي نظر الطيار، فإن التحدي الحقيقي بعد الانتخابات لا يرتبط فقط بمن فاز ومن خسر، وإنما بفهم أسباب عزوف هذا العدد الكبير من المواطنين، والعمل على استعادة الثقة عبر سياسات ونتائج ملموسة تجعل المواطن يشعر بأن صوته قادر فعلا على التأثير في تفاصيل حياته اليومية.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.