عادل بن حمزة
نهاية هذا الأسبوع ستقفل بلادنا سنة كاملة على إنطلاق فعاليات 20 فبراير ، وهذا التاريخ لا يمكن تجاهله فقط من باب الإختلاف ، ولكن يجب إستحضاره لفهم طبيعة التحولات التي تعرفها بلادنا منذ سنة ، وبالتالي فإن تاريخ 20 فبراير وبغض النظر عن التيارات السياسية التي تبنته كإختيار سياسي وحركي ، كان له أثر مهم في تسريع وثيرة الإصلاحات(...) التي عرفتها بلادنا ، لكن للإنصاف أيضا فإن هذا التاريخ الذي أصبحت له دلالة رمزية لا يمكن تجاهلها ، لم يكن إبداعا خالصا للتيارات التي أعلنت تبنيها له منذ البداية أو تلك التي لحقت بالموجة فيما بعد ، بل وللتاريخ يمكن إعتبار فلسفة 20 فبراير الإحتجاجية كانت ترتكز على ركيزتين أساسيتين ، الركيزة الأولى داخلية وتتمثل في الواقع السافر الذي كان ظاهرا في الساحة السياسية للبلاد منذ الإنتخابات الجماعية لسنة 2009 ، والمتمحور أساسا على ميلاد حزب الدولة الأغلبي ممثلا في حزب الأصالة والمعاصرة والممارسات الخطيرة التي لجأ إليها هذا الحزب من خلال التصرف كجهاز فوق الدولة والمؤسسات ، وبدا للملاحظين في الداخل والخارج أن تجربة البام تسير بسرعة كبيرة من حزب الدولة إلى دولة الحزب ، حيث عرفت الحياة السياسية صراعا كبيرا بين الأحزاب التي تريد للتجربة الديمقراطية الفتية في بلادنا أن تستمر في تحقيق التراكمات الضرورية والسليمة ، في مقابل حزب البام والأحزاب / الكومبارس التي كانت تتهيئ لتلعب دور أحزاب المناولة في المخطط الذي كان مرسوما بدقة ، والأحزاب الأخرى التي تعتبر في الصف الديمقراطي , لكنها كانت تتحين الفرص لتستثمر وجود الحزب الأغلبي لإستعادة مجد أضاعوه , وساهم هذا الوضع في إرباك الصف الوطني الديمقراطي وعقد إمكانية مواجهة كاسحة لمشروع البام , حتى إحترق البوعزيزي في تونس وإنفجرت الشعوب في المنطقة ضد الظلم والإستبداد وأحزاب الدولة , فكانت هذه الوقائع هي المرتكز الثاني الخارجي الذي كان سندا مؤسسا لتجربة 20 فبراير.
منذ البداية كتبت في هذه الزاوية أن عمق حركة 20 فبراير إصلاحي , وأن المطالب المرفوعة لا تمثل أي جديد, اللهم طريقة رفعها والتي يعود فضل تغيرها وإتخاذها طابع المواجهة والعلنية إلى عوامل خارجية متمثلة في أحداث تونس ومصر وغيرها من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط , لكن هذه العوامل الخارجية والتي كانت سندا قويا لحركة 20 فبراير , هي نفسها من حرمها من الكثير من القوى السياسية التي لا تختلف مع المطالب الإصلاحية المرفوعة , لكنها أبدت توجسا من أن تنحرف هذه المطالب لتخدم أجندات أخرى غير معلنة , وخاصة من لا يخفي أنه يحمل مشروعا لدولة جديدة تتناقض جملة وتفصيلا مع الدوبة القائمة اليوم , فكانت الأغلبية المطلقة حتى من المواطنين العاديين ترفض أن تنجر لتخدم مشروعا للفتنة , الجميع يعتبر أن المغرب في غنى عنه , وذلك بحكم أن بلادنا تتوفر على كل الشروط الضرورية لإحداث التغييرات العميقة والجادة دون أن يمر ذلك بالضرورة عبر إسقاط النظام.
تراكم المطالب الإجتماعية لسنوات وظهور ثقافة إحتجاجية جنائزية تنحوا تدريجيا نحو العنف , وفشل الدولة في إستقطاب الطبقة الوسطى لمشروعها الإصلاحي والتنموي , والذي يتجسد في الكم الهائل من ساعات الإضرابات التي شملت جميع القطاعات العمومية وشبه العمومية بشكل أثر على حياة المواطنين والإقتصتد اليومية , وإرتفعت ثقافة نضالية إنتهازية مفادها أن الدولة في حالة ضعف وخوف , وبالتالي هذه هي الفرصة الذهبية لتحقيق كل المطالب , ورغم أن الدولة خصصت غلافا ماليا كبيرا وغير مسبوق لشراء السلم الإجتماعي , فإن الثقافة الإحتجاجية الجديدة أصبحت نمطا وسلوكا في المرافق العمومية , والمفارقة هي أن موظفي القطاع العمومي تبقى هي الأفضل كقارنة مع مستخدمي القطاع الخاص , علما أن هؤولاء يقارب عددهم 8 ملايين فرد وهو رقم يضاعف موظفي القطاع العام أكثر من ثمانية مرات.
اليوم تحل الذكرى السنة , وحركة 20 فبراير فقدت الكثير من قوتها التعبوية , لكنها لا زالت تتوفر على قضايا إجتماعية وسياسية يمكن أن في أي لحظة أن تشكل وقودا لحراك جديد ربما قد يكون أقوى من سابقه , البعض قد يتساءل عن دور الدولة والدستور الجديد والإنتخابات الأخيرة ووصول حزب المعارضة الرئيسي إلى رئاسة الحكومة ? كل هذه العوامل لها تأثير مباشر على ما جرى وما يمكن أن تسير إليه الأمور في المستقبل , والأهم من ذلك هو أن تقطع بلادنا مع النزعة التجريبية , وأن تتجه رأسا إلى عمق الإشكالات التي ترتبط بالسلطة والديمقراطية مادامت بلادنا تتوفر على كل أسباب الإستقرار والنمو .
التعليقات
1آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
يحيى خوخة
تحية لك أخي .. أعجبني موضوعك