حرب بلا مركز.. د."الشرقاوي الروداني" يفكك الاستراتيجية الإيرانية التي أربكت أمريكا وإسرائيل في حرب الشرق الأوسط

حرب بلا مركز.. د."الشرقاوي الروداني" يفكك الاستراتيجية الإيرانية التي أربكت أمريكا وإسرائيل في حرب الشرق الأوسط

أخبارنا المغربية - عبد الإله بوسحابة

في ظل التصعيد غير المسبوق الذي يشهده الشرق الأوسط، تتكشف تدريجياً ملامح نمط جديد من الحروب يتجاوز المفاهيم التقليدية للصراع العسكري. فالمواجهة الحالية، التي اندلعت عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير 2026، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل تحولت إلى صراع معقد متعدد الجبهات يتداخل فيه العسكري بالسياسي والاقتصادي والإقليمي. هذا التحول هو ما يحاول تفسيره الخبير المغربي في الجيوسياسية والأمن الاستراتيجي الدكتور "الشرقاوي الروداني" من خلال تحليل نشرته صحيفة "Modern Diplomacy" تحت عنوان "حرب بلا مركز.. الدفاع الفسيفسائي الإيراني"، والذي أشار من خلاله إلى أن الحرب الجارية تكشف عن نموذج استراتيجي جديد يمكن وصفه بـ"الحرب بلا مركز".

وارتباطا بالموضوع، يشير الدكتور "الشرقاوي الروداني" في تحليله إلى أن الشرارة الأولى للحرب جاءت بعد الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير 2026 ضمن عمليتين عسكريتين حملتا اسم "عملية الغضب الملحمي" أو (Epic Fury) من الجانب الأمريكي وعملية "زئير الأسد" أو (Lion’s Roar) من الجانب الإسرائيلي. وقد استهدفت هذه العمليات مراكز القيادة والبنية التحتية الحيوية في إيران في محاولة واضحة لتطبيق ما يعرف في العقيدة العسكرية الغربية بـ استراتيجية الضربة القاصمة للقيادة أو استراتيجية قطع الرأس (Strategic Decapitation).

في سياق متصل، أوضح الروداني أن هذا النوع من العمليات يقوم على فرضية كلاسيكية في الفكر العسكري مستمدة من مفهوم مركز الثقل (Center of Gravity) لدى المنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، والذي يفترض أن ضرب المركز السياسي أو العسكري للخصم يؤدي إلى شل قدرته على اتخاذ القرار وتسريع انهيار منظومته الاستراتيجية.

ووفق ما يورده تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني، فقد تحدثت عدة تقارير إعلامية في الساعات الأولى للحملة عن تحييد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني. وبحسب القراءة الكلاوزفيتزية التقليدية، فإن استهداف مركز الثقل السياسي والعسكري يفترض أن يؤدي إلى حالة من الارتباك الاستراتيجي وانهيار القدرة على المقاومة. غير أن التطورات اللاحقة للحرب، كما يوضح الروداني، كشفت مساراً مختلفاً تماماً. فبدلاً من الانهيار السريع للنظام العسكري الإيراني، بدأت المواجهة تتخذ شكلاً أكثر انتشاراً وتعقيداً، مع توسع نطاق العمليات وتعدد مسارح الاحتكاك الإقليمي.

في أعقاب ذلك، يشير الروداني إلى أن الرد الإيراني، الذي جاء تحت اسم عملية "الوعد الصادق الرابعة" أو (True Promise IV)، لم يكن مجرد رد عسكري تقليدي بقدر ما مثّل بداية مرحلة جديدة في طبيعة الصراع. فالمواجهة تحولت تدريجياً إلى صراع متعدد المسارح يتسم بانتشار العمليات العسكرية عبر نقاط مختلفة من الشرق الأوسط. ومن وجهة نظره، فإن هذا التطور يعكس تحولاً أعمق في منطق الحرب نفسها، حيث لم يعد الهدف تحقيق حسم عسكري سريع بقدر ما أصبح يتمثل في خوض حرب استنزاف (War of Attrition) طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية للخصم تدريجياً.

وفي قلب تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني يبرز مفهوم أساسي هو "الحرب بلا مركز" أو ما يصطلح عليه بـ (War Without a Center). ويقصد به نموذجاً من الصراعات لا يعتمد على مركز قيادة واحد يمكن تدميره لإنهاء الحرب. ففي هذا النوع من الحروب يتم توزيع القيادة والقدرات العسكرية عبر شبكة واسعة من المراكز التكتيكية المترابطة، بحيث لا يؤدي تدمير القيادة العليا إلى انهيار النظام العسكري، بل قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى انتشار الصراع عبر المجال العملياتي.

في هذا الصدد، يرى الروداني أن ما حدث في الحالة الإيرانية يعكس هذا المنطق بدقة، إذ إن استهداف المركز القيادي أدى إلى تفعيل آليات مرونة عسكرية كانت مدمجة مسبقاً في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية.

ويؤكد الخبير المغربي في تحليله أن هذه المرونة تعود إلى عقيدة عسكرية طورتها إيران خلال العقود الماضية تعرف باسم الدفاع الفسيفسائي أو (Mosaic Defense). ويقوم هذا المفهوم على تفتيت المجال العملياتي وتوزيع السلطة العسكرية على عدد كبير من الوحدات التكتيكية المستقلة بحيث يصبح من الصعب شل النظام العسكري بالكامل بضربة واحدة.

كما يشرح الروداني أن جذور هذا التفكير الاستراتيجي تعود إلى تجربة إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية بين عامي 1980 و1988، حين أدركت القيادة الإيرانية أن الأنظمة العسكرية المركزية تكون عرضة للانهيار السريع أمام خصم يمتلك تفوقاً عسكرياً تقليدياً.

وأشار تحليل الروداني إلى أن هذا الإدراك تعزز في مطلع الألفية الجديدة بعد الغزو الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق، حيث أظهرت تلك الحروب مدى هشاشة الأنظمة السياسية والعسكرية شديدة المركزية عندما تواجه قوة عسكرية متفوقة. ومن هنا بدأت إيران تدريجياً في تطوير بنية استراتيجية تقوم على توزيع السلطة العملياتية بين عدد كبير من الوحدات العسكرية وشبه العسكرية القادرة على العمل باستقلالية نسبية مع الالتزام بتوجيهات استراتيجية عامة.

ويضيف الدكتور الشرقاوي الروداني أن قوة هذه الاستراتيجية لا تكمن فقط في البنية العسكرية الداخلية لإيران، بل أيضاً في الشبكة الإقليمية من الحلفاء التي تمنح طهران عمقاً استراتيجياً واسعاً. فإيران، وفق تحليله، تعتمد على شبكة من الفاعلين غير الدولتيين مثل حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق وجماعة الحوثي في اليمن، وهو ما يسمح بتوزيع المواجهة عبر عدة جبهات في وقت واحد ويجبر الخصوم على التعامل مع عدد متزايد من نقاط الاحتكاك العملياتي.

كما يتطرق الروداني في تحليله إلى البعد الاقتصادي للحرب، موضحاً أن إيران تعتمد جزئياً على منطق فرض التكاليف غير المتكافئة (Asymmetric Cost Imposition)، مشيرا إلى أن الهجمات التي تستخدم الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة يمكن أن تفرض على الخصم استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن لاعتراضها، وهو ما يؤدي بمرور الوقت إلى استنزاف اقتصادي تدريجي للطرف المقابل.

ومن بين النقاط التي يبرزها تحليل الدكتور الشرقاوي الروداني أيضاً اتساع النطاق الجغرافي للمواجهة. فالهجمات الإيرانية لم تعد محصورة في ساحة واحدة، بل امتدت لتشمل أهدافاً في عدة نقاط من الخليج إضافة إلى بنى تحتية استراتيجية في المنطقة. ويرى أن هذا التوسع يعكس تطبيقاً عملياً لعقيدة الدفاع المتقدم (Forward Defense)، وهي عقيدة تقوم على نقل ساحة المواجهة خارج الحدود الوطنية لمنع تحول الأراضي الإيرانية إلى مسرح رئيسي للحرب.

وفي هذا السياق يوضح الروداني أن الشرق الأوسط يمكن فهمه كنظام استراتيجي مترابط يتكون من قواعد عسكرية وممرات بحرية ومنشآت طاقة وبنى تحتية حيوية، وأن استهداف هذه العقد يمكن أن يحول نزاعاً إقليمياً محدوداً إلى أزمة ذات تداعيات دولية أوسع.

وفي ختام تحليله المنشور في صحيفة "مودرن ديبلوماسي"، يرى الدكتور الشرقاوي الروداني أن هذا النموذج من الصراعات يمثل تحدياً حقيقياً للمفاهيم التقليدية في الاستراتيجية العسكرية الغربية، مؤكدا أن الكثير من العقائد العسكرية الأمريكية بعد الحرب الباردة قامت على فكرة أن الضربات الدقيقة ضد القيادة يمكن أن تحقق نتائج حاسمة وسريعة، غير أن الأنظمة العسكرية الموزعة مثل النموذج الإيراني تجعل هذه الفرضية أقل قابلية للتحقق.

ولهذا يخلص الروداني إلى أن الصراعات الحديثة قد تعتمد بدرجة أقل على القضاء على القيادات وأكثر على تفكيك الشبكات التي تدعم العمليات الموزعة مثل أنظمة الاتصالات وسلاسل الإمداد وشبكات التمويل. وفي مثل هذه الحروب، لا يؤدي تدمير المركز إلى إنهاء الصراع بل قد يؤدي إلى انتشاره، وهو ما يجعل الحرب الجارية مثالاً واضحاً لما يسميه "الحرب بلا مركز"، حيث لا يؤدي تدمير القيادة إلى إنهاء الحرب بل إلى إعادة توزيعها عبر شبكة أوسع من الفاعلين والمسارح.


عدد التعليقات (1 تعليق)

1

متتبع

ببساطة ووضوح

لامجال هنا للتحليل الاكاديمي وربطة بنمطية الكتب الغابرة . هاته الحرب . مضمونها اقتصادي . بدرائع جيوسياسية . تخص امريكا والصين . وهي تدور على مسرح الشرق الاوسط . الطاقوي . والمعنىان امريكا واسرائيل . يرميان الى بسط الزعامة في المنطقة والتحكم في منابع الطاقة والمضايق . التجارية . وتوجيه صفعة للصين . لتدخل روسيا التي ستستفيد رفع العقوبات . والنتيجة . رسم خريطة جديدة لشرق اوسط جديد . تحت زعامة اسرائيل

2026/03/12 - 01:23
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة