بوسحابة يكتب.. استهداف "نزار بركة".. أو حين تتحول "حسابات مجهولة" إلى أدوات للاغتيال السياسي

بوسحابة يكتب.. استهداف "نزار بركة".. أو حين تتحول "حسابات مجهولة" إلى أدوات للاغتيال السياسي

أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة

في المشهد السياسي، لا تأتي الضربات الأقوى دائما من الخصوم المعلنين، بل من تلك الظلال التي تتحرك خارج الضوء: حسابات مجهولة، تسريبات بلا مصدر، ومنصات تُتقن صناعة الشك أكثر مما تُتقن تقديم الحقيقة. هناك فقط تُخاض معارك من نوع آخر، لا تُقاس بصناديق الاقتراع، بل بقدرة الإشاعة على اختراق وعي الناس قبل أن تظهر أي حقيقة مضادة.

في هذا السياق، برز اسم نزار بركة في قلب جدل جديد، انطلق من منشورات منسوبة إلى حساب غير معروف عبر تطبيق "تلغرام"، قبل أن يجد طريقه سريعا إلى بعض الصفحات والمنابر، التي تعاملت مع المعطى وكأنه وثيقة رسمية أو نهائية، لا مجرد ادعاء يحتاج إلى تحقق وتدقيق.

المثير في الأمر ليس فقط طبيعة الاتهام، بل آلية تصنيعه وانتشاره: كيف يتحول مصدر مجهول إلى ثمرجعث، وكيف تصبح الإشارة الأولى كافية لإطلاق موجة كاملة من التأويلات، وكأننا أمام حقيقة مكتملة الأركان، رغم غياب أي سند مؤسساتي أو قضائي أو رقابي يثبتها.

ومن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية، بعيدا عن ضجيج المنصات، وبعيدا عن الاستهلاك السريع للمعلومة قبل التحقق منها.

إن ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط باسم سياسي بعينه، بل بنمط جديد من "إنتاج الحقيقة" داخل الفضاء الرقمي. نمط لم تعد فيه المعلومة تمر عبر القنوات التقليدية من صحافة مهنية أو مؤسسات رقابية أو مساطر قضائية، بل عبر شبكات غير مرئية تشتغل بمنطق التسريب، ثم التهويل، ثم إعادة التدوير.

وفي حالة نزار بركة، تم اختزال ملف معقد في عبارة واحدة: "اقتناء عقار". وكأن السياسة صارت تُقرأ من زاوية واحدة، ويتم إفراغ كل السياقات القانونية والاجتماعية والمهنية المحيطة بالشخصية العمومية، لصالح قراءة انتقائية تبحث عن "الصدمة" أكثر مما تبحث عن الحقيقة.

المشكل هنا ليس في طرح الأسئلة، فالمساءلة جزء أساسي من أي حياة ديمقراطية سليمة، لكن الإشكال الحقيقي هو في تحويل الاشتباه إلى حكم مسبق، والتأويل إلى إدانة جاهزة، قبل حتى أن تقول المؤسسات المختصة كلمتها.

الأخطر من ذلك، هو توظيف مصطلحات تقنية وقانونية خارج سياقها، كما حدث مع عبارة "paiement comptant"، التي تم تقديمها للرأي العام وكأنها دليل على تعاملات مالية غير شفافة، في حين أن معناها القانوني واضح: أداء كامل وفوري دون تقسيط، داخل منظومة توثيقية وبنكية منظمة وخاضعة للرقابة.

هذا النوع من التبسيط المخل ليس بريئا دائما، لأنه يعتمد على فجوة معرفية حقيقية لدى جزء من الجمهور، يتم ملؤها بسرعة بمضامين مثيرة، لكنها غير دقيقة. وهنا بالضبط تتشكل خطورة "الإشاعة المحكمة": ليست لأنها مقنعة علميا، بل لأنها سريعة الانتشار وعاطفية التأثير.

ثم إن التعامل مع اسم نزار بركة تحديدا يكشف بعدا آخر في هذه الحملة. فالرجل، بصرف النظر عن موقعه السياسي، ليس شخصية ظهرت فجأة في المشهد العام، بل هو فاعل راكم تجربة طويلة في التدبير العمومي، داخل مؤسسات مالية واقتصادية وحكومية، وهو ما يجعل وضعه القانوني والمهني معروفا ومتاحا للمتابعة العمومية.

لكن في منطق الحملات الرقمية، لا يتم الاشتغال دائما على "ما هو قائم"، بل على "ما يمكن أن يُصنع"، أي إعادة تشكيل صورة الفاعل السياسي بما يخدم سردية معينة، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة أو الإنصاف.

وهنا يظهر السؤال الأهم: من المستفيد من تحويل قضية عقارية عادية إلى مادة صدام سياسي وإعلامي؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط غالبا بسياقات تنافس سياسي، حيث يصبح استهداف الصورة أحيانا أكثر فعالية من مواجهة البرنامج، والتشكيك في النوايا أسرع تأثيرا من مناقشة الأداء.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذه الموجات ليس استهداف الأشخاص في حد ذاته، بل تطبيع المجتمع مع فكرة أن "الحسابات المجهولة" يمكن أن تكون مصدرا موثوقا للحقيقة. لأن ذلك يعني، ببساطة، نقل سلطة التقييم من المؤسسات إلى الظل، ومن القانون إلى الإشاعة، ومن التحقق إلى الانطباع.

وهذا تحول خطير لا يهدد فقط الحياة السياسية، بل يهدد أيضا الثقة العامة في كل ما يُنشر ويُتداول.

في النهاية، تبقى القاعدة البسيطة التي لا تتغير: المعلومة التي لا يمكن التحقق منها ليست حقيقة، مهما كانت صادمة، والاتهام الذي لا تسنده مؤسسات مختصة يبقى مجرد رواية، حتى يثبت العكس.

أما السياسة، فهي أوسع من أن تختزل في منشور مجهول، وأكبر من أن تُحسم في فضاء لا يعرف حتى من يتكلم باسمه.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة