بوسحابة يكتب: دعاة مقاطعة الانتخابات.. اليد الخفية التي يحركها الفساد لضمان استمراره بلا مقاومة

بوسحابة يكتب: دعاة مقاطعة الانتخابات.. اليد الخفية التي يحركها الفساد لضمان استمراره بلا مقاومة

أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة

لنقلها كما هي، بلا تجميل ولا مجاملة: أكبر خدمة يمكن أن تقدمها للفساد ليست أن تدعمه، بل أن تنسحب من مواجهته. حين تقرر أن لا تسجل في اللوائح الانتخابية، أو أن لا تصوت، فأنت لا تعاقب السياسيين، بل تعاقب نفسك وتمنح خصومك مفاتيح القرار بلا مقاومة. الفساد لا ينتصر دائمًا لأنه قوي، بل لأنه يجد فراغًا كافيًا ليتحرك داخله بلا عائق.

كثير من الشباب يعتقد أن المقاطعة موقف احتجاجي "نظيف"، وكأنهم يقفون خارج اللعبة حفاظًا على المبادئ. لكن الحقيقة القاسية أن السياسة لا تعترف بالفراغات الأخلاقية، بل تعترف فقط بالأصوات المعبر عنها. وعندما تنسحب، لا تتوقف اللعبة… بل تتغير فقط لصالح من لم ينسحب. وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة: من يرفض المشاركة بدافع رفض الفساد، يصبح عمليًا أحد أهم أسباب استمراره.

تكرار نفس الوجوه في المشهد السياسي ليس صدفة ولا مجرد “استمرارية تجربة”، بل هو مؤشر واضح على خلل عميق في ميزان الاختيار. حين نرى نفس الأسماء تعود في كل محطة، رغم كل الانتقادات وكل الغضب الشعبي، فذلك يعني ببساطة أن هناك قوة خفية تعيد إنتاج نفس النتائج. هذه القوة ليست فكرة مجردة، بل تتجسد في المال الانتخابي، في شراء الذمم، وفي تحويل الأصوات من قرار حر إلى سلعة مؤقتة. هنا فقط نفهم أن للفساد “حاضنة” تحميه وتمنحه القدرة على التجدد، كلما وجد فراغًا في المشاركة أو ضعفًا في المواجهة.

الفساد لا يحتاج إلى أغلبية صاخبة كي ينتصر، وإنما هو في حاجة فقط أن يجد فراغًا كافيًا ليتحرك داخله دون رقابة. هو لا ينمو في المواجهة المباشرة بقدر ما يتغذى على الغياب: غياب الصوت، غياب المشاركة، وغياب من يوازن الكفة. حين تنسحب أنت من التصويت، فأنت لا توقف العملية، بل تُفرغها من عنصرها الأهم، وتترك المجال لمن يعتبر صندوق الاقتراع سوقًا مفتوحًا: يُعرض فيه الصوت ويُشترى ويُعاد بيعه حسب القدرة والطلب. عندها لا يعود السؤال من يصوّت، بل كيف يُصوَّت، وبأي ثمن. وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يتغير مسار النتيجة لأنك غائب، بل يتغير صاحب القرار الذي كان يمكن أن يكون صوتك.

لهذا، التسجيل في اللوائح الانتخابية ليس إجراءً بيروقراطيًا كما يظنه البعض، بل هو الخطوة الأولى في معركة حقيقية ضد الفساد. هو إعلان أنك لن تبقى خارج الحسابات. أنك لن تترك مصيرك يُكتب بدونك. لأن أول هزيمة للفساد ليست في الشعارات ولا في الغضب الافتراضي عبر مواقع التواصل، بل في اللحظة التي يصبح فيها صوت المواطن حاضرًا بكثافة في صناديق الاقتراع بهدف منع التلاعب وقطع الطريق على من يحاول شراء الذمم.

ثم نأتي إلى لحظة التصويت، وهنا يجب أن نقول الحقيقة كما هي أيضًا: لا أحد سيأتي ليمنحك نظامًا مثاليًا. لن تجد حزبًا من الملائكة، ولن تجد مرشحًا بلا تاريخ ولا أخطاء. من ينتظر الكمال السياسي يختار في الواقع خدمة الفساد دون أن يشعر، لأن الفساد يحب المواطن الذي لا يشارك. يحب من يقاطع، لأنه يترك له مساحة الحركة دون رقابة شعبية قوية.

في الانتخابات التشريعية (على سبيل ذكر، لأن المناسبة شطر) ، أنت لا تختار شخصًا فقط، بل تختار اتجاه دولة. تختار حزبًا سيقود الحكومة ويحدد السياسات العامة للبلاد التي ستؤثر على الأسعار، الشغل، الصحة، التعليم، والعيش اليومي.. لأجل ذلك فالتصويت ليس "إعجابًا أخلاقيًا" بشخص، بل قرار سياسي ثقيل يحدد شكل حياتك القادمة.

ومن يظن أنه عندما يقاطع فهو يعاقب الجميع، فهو في الحقيقة لا يعاقب إلا نفسه. لأن من لا يصوت، يترك القرار لمن يصوت سواء بضمير أو بدافع المال أو الولاء أو المصالح الضيقة. وهنا تصبح المعادلة واضحة وقاسية: كل صوت يُحجب هو مساحة إضافية للفساد كي يتقدم خطوة إلى الأمام.

بل أكثر من ذلك، يجب أن نواجه هذه الفكرة بلا تردد: من يساهم بـ"عزوفه عن التصويت" في صعود المفسدين إلى مراكز القرار، لا يحق له أبدا أن يحتج بعد ذلك. فلا يمكن ولا يعقل أن تنسحب من لحظة الاختيار، ثم تعود لتدين النتائج وكأنك لم تكن جزءًا من الصمت الذي صنعها. الاحتجاج الحقيقي يبدأ من صندوق الاقتراع، لا من بعد إغلاقه.

التسجيل في اللوائح الانتخابية إذن ليس تفصيلًا، بل بداية الفعل السياسي الحقيقي. هو أول خطوة في كسر حلقة الاستسلام. والتصويت ليس مجرد واجب، بل أداة ضغط. كلما ارتفعت نسبة المشاركة، كلما ضاقت مساحة المال الفاسد، وكلما اضطر الفاعلون السياسيون إلى احترام أصوات لا يمكن شراؤها بسهولة.

الرسالة بسيطة لكنها حاسمة: لا توجد ديمقراطية بلا مشاركة، ولا توجد محاربة للفساد بالانسحاب. إما أن تكون داخل المعادلة بصوتك، أو تتركها تُدار بدونك. وفي كلتا الحالتين، النتيجة ستؤثر عليك، لكن الفرق الوحيد أن خيار المشاركة يمنحك فرصة التأثير، أما خيار العزوف فيمنح الآخرين فرصة التحكم الكامل.


عدد التعليقات (9 تعليق)

1

وجدي

مزيان

الشعب هو أكبر مفسد فى مجتمع ان صلح صلح مجتمع

2026/05/31 - 12:56
2

محمد

متابع

اول مرة اشهد لك يا بوسحابة انك جيت بموضوع واضح ومهم للقراء والمواطنين وليس فيه تحيز للسياسيين والفاسدين

2026/05/31 - 01:17
3

لا أمل في الأفق

بوشعيب . خميس الزمامرة

أختلف تماما مع رأي كاتب المقال فالوسيلة الوحيدة لكشف الفساد ليس بإعطتءه الغطاء بمشاركة كثيفة تعطيه مساحة واسعة للتلاعب والمناورة بل الحل الأنجع هو بفضحه ـمتم ـنظتر تاعتام بمشتركة ضعيفة تنزع عته تلك المشروعية المزيفة, فحين يتعرض الخبراء الأجانب بالتحليل والدراسة لهذه الإنتخابات يسترعي إهتماماهم ادني نسبة المشاركة كمؤشر واضح لعدم ثقة الناخب في العملية الإنتخابية وبذلك وجب إحداث تغيير جاد وعميق للمنظومة السياية لإحداث إصلاح شامل بدل الحلول الترقيعية وسياسة تغطية الشمس بالغربال لعقود متوالية.

2026/05/31 - 03:21
4

المنطق والعقل يقولان لا فائدة

الجيلالي بنيس

الجميع يعلم أن المقاطعين للإنتخابات المقبلة أغلبهم من الشباب المتعلم والطبقة الوسطى وهؤلاء لهم وعي سياسي كافي يدركون به ان المشاركة في هذه الإنتخابات كسابقاتها لن يغير شيئا بل هو إعطاء دفعة أخرى لإستمرار الفساد والتسلط. هم يدركون أن النظام الإنتخابي تم هندسته بطريقة تمنع إفراز أي قوة سياسية بأغلبية في البرلمان وإنتاج بلقنة المشهد السياسي وبالتالي إضعاف الأحزاب السياسية, أعتقد كما يعتقد الكثيرون أنه لا خير يرجى من المشاركة

2026/05/31 - 03:48
5

ابراهيم

تعمار شوارج

الحل الحيد لابعاد الفاسدين هو الغاء الانتخابات وتعيين مسؤولين لتسيير ومحاسبتهم من طرف جلالة الملك والمجلس الاعلى للحسابات والمجلس الاعلى للقضاء

2026/05/31 - 04:08
6

التغيير له شروط

عبد القادر المرضي

الشرط الأساسي لضمان الحد الأدنى من الشفافية والنزاهة في تنظيم إنتخابات هو إختيار لجنة مستقلة للإشراف على هذه الإنتخابات وهو للأسف الشديد شرط غير متحقق مما يفتح الباب على مصراعيه للممارسات التي عايشناها في الإنتخابات السابقة, كان العبقري إنشطاين يقول: " من غير المعقول إعادة تجربة لنفس الشروط ثم إنتظار الحصول على نتائج مغايرة" والفاهم يفهم.

2026/05/31 - 04:11
7

راك غادي فالخسران آحمادي

بوشعيب منصوري

سمعت هذا الخطاب التحفيزي لأول مرة منذ ما يناهز 25 سنة في ما سمي وقتها العهد الجديد حين كان من يعطوننا الدروس اليوم لا يزالون في المدرسة الإبتدائية, لا يلذغ الفطن من الجحر مرتين أما نحن فلذغنا مرات عديدة ولم نستوعب الدرس بعد. فهل تنقشع السحابة يوما؟

2026/05/31 - 04:44
8

لاتزال دار لقمان على حالها

البشير . الرحامنة

لقد أصاب الصحفي الشاب حين خلص إلى نتيجة مفادها أن: "هو مؤشر واضح على خلل عميق في ميزان الاختيار. حين نرى نفس الأسماء تعود في كل محطة، رغم كل الانتقادات وكل الغضب الشعبي، فذلك يعني ببساطة أن هناك قوة خفية تعيد إنتاج نفس النتائج" لكنه للأسف أخطأ التحليل حين حاول تحديد من هي القوة الخفية التي تعرقل أي إصلاح للمنظومة السياسية القائمة.

2026/05/31 - 06:08
9

فوزي الشعبي

مجرد إضافة

أكبر خطأ يرتكبه المواطن الغاضب من الفساد هو أن يترك صندوق الاقتراع لغيره. فحين يعزف أصحاب الوعي والكفاءة عن التسجيل والتصويت، فإنهم يمنحون القرار لمن لا يتردد في المشاركة، سواء عن اقتناع أو مصلحة أو مقابل مادي. لا أحد يطلب من الناخب أن يجد المرشح المثالي، لكن يكفي أن يصوّت للأقل سوءًا والأكثر نزاهة. فصوت واحد لصالح شخص نزيه هو في الوقت نفسه صوت ضد عشرات المفسدين. إذا كان بين عشرة مرشحين فاسدون ومرشح واحد نزيه، فصوتك لذلك النزيه ليس تأييدًا للكمال

2026/05/31 - 06:23
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة