زلزال دبلوماسي.. "مزراري": اتفاق تاريخي وشيك بين المغرب وفرنسا لفتح "الأرشيف الأسود" لملف "الصحراء الشرقية"
أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
في خضم تحولات جيوسياسية كبرى تعيد تشكيل موازين القوى داخل القارة الإفريقية، تشهد العلاقات بين المغرب وفرنسا منعطفاً تاريخياً غير مسبوق، يتجه نحو تأسيس شراكة استراتيجية متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. تأتي هذه الديناميكية الجديدة في وقت أظهرت فيه باريس استعداداً غير مسبوق لفتح أرشيفها الاستعماري، بما في ذلك الوثائق الحساسة المتعلقة بالحدود التاريخية للمملكة المغربية ومناطقها الشرقية، في خطوة يراها المراقبون مؤشراً على مستوى متقدم من الثقة بين البلدين، ومدخلاً محتملاً لمعالجة ملفات تاريخية عالقة. فما الذي يقف وراء هذا التقارب المتجدد؟ وما هي انعكاساته على مستقبل العلاقات الثنائية؟
ولمعرفة تفاصيل أكثر حول هذا الموضوع، كان لموقع "أخبارنا المغربية" حديث خاص مع الأستاذ عبد الهادي مزراري، الكاتب الصحافي والمحلل السياسي، أكد من خلاله أن العلاقات بين المغرب وفرنسا تتميز بالكثير من المظاهر بأبعادها التاريخية والسياسية والاقتصادية وكذا الثقافية.
في سياق متصل، أوضح "مزراري" أن هذه العلاقات تعود إلى حقب ضاربة في التاريخ، من عهد السلطان المولى إسماعيل والملك لويس الرابع عشر إلى يومنا هذا، غير أنها مرت بفترات عصيبة، كان أسوأ ما يطبعها حقبة الحماية التي ذهب المغرب ضحيتها بسبب موقفه من التمدد الاستعماري الفرنسي في المنطقة.
وأشار المتحدث إلى أنه بعد صراع مرير خاضه المغرب من أجل نيل استقلاله من القوى الاستعمارية الأجنبية (فرنسا وإسبانيا)، بقيت من مخلفات ذلك الاحتلال تبعية مكلفة للمغرب تجاه فرنسا في كثير من القطاعات والمجالات.
ومن جهة أخرى -يضيف مزراري- خاض المغرب معركة أخرى من أجل استكمال وحدته الترابية وتأكيد سيادته الوطنية. وفي غمرة هذه المعركة، دخلت العلاقات المغربية الفرنسية قاعة الامتحان في مناسبات عديدة.
غير أن حكمة المغرب وسداد رؤيته بعيدة المدى، إلى جانب ما وصفه بـ"الصبر الاستراتيجي"، مكنت المملكة، وفق قراءة مزراري، من تحقيق مكاسب مهمة، أبرزها نجاحها في جعل فرنسا، في أكثر الملفات أهمية بالنسبة إليها، وهو ملف الصحراء المغربية، تستجيب لمطلبها في توقيت مهم، خاصة بعدما عززت الرباط موقفها بشراكات متعددة مع قوى دولية كبرى اعترفت بدورها بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
كما تمكن المغرب، بحسب مزراري، من نسج علاقات شراكة استراتيجية قوية مع معظم بلدان القارة الإفريقية، الأمر الذي ساهم في تعزيز مكانته الإقليمية والدولية، مشيرا إلى أنه بفضل هذا الواقع الجديد، وبالتزامن مع تراجع الدور الفرنسي في بعض مناطق نفوذها التقليدية داخل القارة، أصبح المغرب يشكل رقماً صعباً في المعادلة الإفريقية، وفرض نفسه على فرنسا كشريك يتعامل وفق قاعدة "رابح ـ رابح".
وفي المقابل، أشار ذات المحلل السياسي إلى أن فرنسا فهمت ما يتعين عليها فعله للحفاظ على مصالحها، خصوصاً في ظل غياب أي فراغ استراتيجي داخل إفريقيا، حيث تحتدم المنافسة بين قوى دولية كبرى من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين.
وتبعاً لهذه المعطيات الجديدة، يرى "مزراري" أن العلاقات بين باريس والرباط أصبحت ذات أهمية بالغة بالنسبة لفرنسا، وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكثر من مناسبة بشكل صريح، مشددا على أن الحديث اليوم عن معاهدة تاريخية واستراتيجية بين البلدين يندرج في صلب هذه التطورات التاريخية والسياسية والاقتصادية، قبل أن يؤكد أن قوة هذه المعاهدة ستنبع من إعادة تموقع كل طرف في المكان الذي يتناسب مع مصالحه بشكل عادل ومتوازن وقابل للاستمرار.
في هذا الإطار، شدد المتحدث على أن تصحيح فرنسا لبعض أخطاء الماضي يظل أمراً ضرورياً، ومن بين ذلك ما وصفه بالمجزرة التي تعرض لها التراب المغربي عندما تم ضم أجزاء واسعة من صحرائه الشرقية إلى المجال الجغرافي الذي كانت فرنسا تسيطر عليه في أرض كانت تعتبرها آنذاك جزءاً من الجزائر وتطلق عليها "فرنسا الثانية".
وانطلاقاً من ذلك، يرى مزراري أن أي معاهدة استراتيجية حقيقية لا يمكن أن تسمح للطرفين بالتوجه نحو المستقبل دون معالجة بعض أخطاء الماضي، معتبراً أن فرنسا تبدو اليوم أكثر استعداداً من أي وقت مضى للقيام بهذه الخطوة عبر الكشف عن الوثائق والخرائط الحقيقية والاعتراف بما جرى خلال المرحلة الاستعمارية.
وفي ختام تصريحه لموقع "أخبارنا"، أكد الأستاذ "عبد الهادي مزراري" أن معالجة هذه الملفات من شأنها أن تفتح آفاقاً واسعة أمام البلدين للمضي قدماً نحو إنجاز مشاريع كبرى وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية بما يخدم مصالحهما المشتركة ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاون والثقة المتبادلة.
يأتي هذا التصريح ليعكس لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، حيث يبدو أن باريس أدركت أخيراً أن استعادة موقعها في القارة الإفريقية لا يمكن أن تمر دون الاعتراف بالدور المحوري للمغرب كشريك استراتيجي لا غنى عنه. ففتح الأرشيف الاستعماري، إن تم، سيشكل خطوة جوهرية نحو بناء علاقة ناضجة تقوم على مواجهة الماضي بشجاعة، من أجل بناء مستقبل مشترك قوي. ومع استمرار المنافسة الدولية في إفريقيا، يبدو أن الوقت قد حان لفرنسا لكي تراهن على حصان رابح هو المملكة المغربية، شريك الأمس واليوم والغد.
