بوسحابة يكتب: عُقدة العسكر وعقيدة العداء للمغرب.. من له المصلحة في إطالة أمد الأزمة؟

بوسحابة يكتب: عُقدة العسكر وعقيدة العداء للمغرب.. من له المصلحة في إطالة أمد الأزمة؟

أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة

مرّت خمسة عقود كاملة، ولا يزال سؤال جوهري واحد يفرض نفسه بإلحاح متزايد: من له المصلحة الحقيقية في إبقاء جذوة هذه الأزمة مشتعلة بين الجارين المغرب والجزائر، ومن يجني ثمار تحويل علاقة كان يفترض أن تحكمها روابط الجغرافيا وعمق التاريخ وثقل المصير المشترك، إلى حالة عداء مزمن يُعاد إنتاجه بعناية فائقة جيلاً بعد جيل؟

 فعلى امتداد هذا الزمن الطويل، لم يعد ما بين البلدين الشقيقين مجرد خلاف سياسي عابر قابل للحل، بل تحوَّل إلى مسار ممنهج تداخلت فيه السياسات والخطابات وآلات التعبئة الإعلامية، حتى غدا التوتر إطاراً دائماً يُستحضر لتفسير الشأن الداخلي وصرف الأنظار نحو عدو خارجي جاهز، في وقت كانت فيه الثروات والإمكانات تُستنزف في إدارة صراع مفتوح بلا أفق، بدل أن تُوظَّف في بناء تنمية حقيقية تليق بشعب يملك من الخيرات ما يكفي لبناء نموذج يُحتذى به. وتبقى النتيجة النهائية مفارقة صارخة بين واقع داخلي مثقل بالانتظار والأزمات والطوابير اليومية، وخطاب خارجي لا يني يُغذِّي منطق العداء ويُعيد إنتاج الأزمة لأن في استمرارها مصلحة من لا مصلحة لهم في الاستقرار.

يقف الجزائري صباح كل يوم في طابور. طابور للحليب، وطابور للسكر، وطابور لمواد استهلاكية أساسية لا يكاد يجدها في بلد يجلس فوق بحر من النفط والغاز. ويتساءل في لحظة صمت نادرة: أين ذهبت كل هذه الثروات؟ الجواب لن تجده في نشرات الأخبار الرسمية، لأن تلك النشرات مشغولة بشيء آخر دائماً، بالحديث عن المغرب. عن "مؤامراته" و"أطماعه" و"عدوانه". وكأن المغرب هو من يقف في الطابور بدل الجزائري، وكأن المغرب هو من أهدر المليارات على حساب لقمة العيش.

الحقيقة التي يخفيها نظام الكابرانات بعناية فائقة أن مئات المليارات من الدولارات أُنفقت على امتداد خمسة عقود لتمويل هذا الصراع المفتعل، دعماً للبوليساريو وتسليحاً ودعايةً وحرب استنزاف دبلوماسية لا تنتهي. وهذه الأموال، لو وُظِّفت في بناء مستشفيات وجامعات ومصانع وشبكات للغذاء والمياه، لكانت الجزائر اليوم في مصاف الدول الصاعدة، لا في صف دول الشُّح والعجز والطوابير اليومية. لكن النظام يريد لشعبه أن يعيش في الأزمات، لأن الشعب المشغول بالبحث عن الحليب لا يبحث عن حقوقه.

والسؤال الذي لا يُطرح في الإعلام الرسمي هو بالضبط السؤال الذي ينبغي أن يُطرح: من له المصلحة في استمرار هذه الأزمة؟ من له المصلحة في إبقاء الحدود بين البلدين مغلقة منذ عقود؟ من له المصلحة في أن يستمر الشعبان في تبادل الاتهامات بدل المنافع والخيرات؟ الجواب ليس في المغرب، ولا في قضية الصحراء، ولا في أي خطر خارجي حقيقي. الجواب في داخل النظام نفسه، في جنرالات يعلمون أن السلام مع الجار سيفتح أعين الشعب الجزائري على حجم ما نُهب منه، وأن الانفتاح سيكشف الفارق المذهل بين ما كان يمكن أن يكون وما آل إليه الواقع.

علَّموكم أن تكرهوا المغرب، لأنهم خافوا أن تعرفوا الحقيقة. علَّموكم أن تنظروا إليه بعين الحسد والعداء، لكنهم لم يخبروكم أن هذا الوطن العريق كان حاضراً في التاريخ يوم كانت دول كثيرة لم تولد بعد. لم يحدِّثوكم عن حضارة ضاربة في عمق الزمن، ولا عن شعب صاغ المجد بالصبر والكفاح والتضحية. علَّموكم أن ترددوا الاتهامات، لكنهم أخفوا عنكم أن المغرب ظل عبر قرون حصناً للاستقرار، وموطناً للتسامح، وأرضاً للتعايش بين الثقافات والأديان. وأخفوا عنكم أن المغاربة كانوا دائماً أهل شهامة ونخوة، يمدون أيديهم للسلام ولا ينحنون للابتزاز أو التهديد.

الشعبان الجزائري والمغربي شعب واحد قبل أن يكونا شعبين. تجمعهما اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك. وكان يمكن لهذا التكامل أن يُنتج قطباً مغاربياً حقيقياً يُغيِّر موازين المنطقة بأسرها. المغرب بموقعه الأطلسي وإشعاعه الدبلوماسي وتنويعه الاقتصادي، والجزائر بثرواتها الطبيعية وعمقها القاري وثقلها البشري. لكن بين هذا الحلم وتلك الإمكانية ظل الاستثمار الوحيد الذي أجاده نظام العسكر هو زرع الفتنة وتوسيع الهوّة وتأجيج نيران العداء جيلاً بعد جيل.

في هذا السياق تحديداً يجب أن يُقرأ ملف البوليساريو بشكل أدق وغير مسبوق. هذه الحركة لم تُوجَد لتحقيق حق مشروع لشعب حقيقي، بل وُجدت لتكون ورقة استنزاف في يد الجيش الجزائري. والمفارقة المُرَّة أن الجزائري العادي لم يستفد منها بأي شكل، بينما استنزفت تكاليفها جيبه ومستقبل أبنائه على مدى أجيال. أما أبناء الصحراء أنفسهم، فقد أُجبروا على العيش في مخيمات تندوف لعقود، رهائن لحسابات لا علاقة لهم بها ولا ناقة لهم فيها ولا جمل.

والأمر الذي بات اليوم شبه محسوم هو أن ملف الصحراء، الذي بنى عليه نظام العسكر كل رهاناته وصرف من أجله ما صرف من ثروات الشعب الجزائري، يسير نحو نهايته المنطقية. فالأمم المتحدة أيَّدت مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وباتت الدول الكبرى تتسارع في الاعتراف بمغربية الصحراء ودعم الموقف المغربي علناً. خمسة عقود من الاستثمار في هذه الورقة، وها هي تسقط من يد من أمسك بها. فمن الخاسر الأكبر في نهاية المطاف؟ ليس المغرب بالتأكيد. الخاسر هو الشعب الجزائري الذي أُهدرت ثرواته وضُيِّعت فرصه وسُرق مستقبله في معركة لم تكن معركته يوماً.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أنه بينما كان نظام العسكر يُغدق أموال الشعب يميناً وشمالاً لشراء الولاءات ودفع الرشاوى وتمويل أجندات لا تخدم الجزائري بأي شكل، كان المغرب يسلك طريقاً مغايراً تماماً. فرغم محدودية موارده المالية قياساً بجاره النفطي، آثر المغرب أن يستثمر في بناء وطنه، في بنيته التحتية ومؤسساته وتعليمه واقتصاده وعلاقاته الدولية. واليوم يجني ثمار عقود من الصبر والتضحية والعمل الصامت. فالمغرب بات محط اهتمام كبريات دول العالم التي تتسابق على إقامة شراكات استراتيجية معه في مجالات الطاقة والفلاحة والرقمنة والبنية التحتية والاستثمار. وهذا هو الفارق الحقيقي بين نظام يستثمر في الكراهية ونظام يستثمر في المستقبل.

علَّموكم أن تُنكروا إنجازات المغرب، لأن نجاحه يؤلمهم. فكل خطوة يحققها نحو التقدم تُزعج من اعتادوا رؤية المنطقة غارقة في الأزمات. وكل مشروع تنموي، وكل نجاح دبلوماسي، وكل إشعاع ثقافي أو اقتصادي أو رياضي، يتحول في أعين الحاقدين إلى سبب جديد للتحريض والكراهية. لم يعلِّموكم أن قوة المغرب ليست في ثرواته فقط، بل في شعبه الذي يتوحد كلما اشتدت التحديات، وفي تاريخه الذي لم يُكتب بالحبر وحده، بل كُتب بدماء أبطال دافعوا عن الأرض والكرامة والسيادة جيلاً بعد جيل.

الرسالة الأخيرة إلى كل جزائري يقرأ هذه السطور: الكراهية التي تحملها تجاه المغرب لم تُبنَ في يوم واحد، بل زُرعت على مدار عقود بواسطة مدرسة وإعلام وخطاب سياسي ممنهج. وهذا يعني أنها ليست رأيك الحقيقي، بل هي ما أرادوا لك أن تعتقده. ابحث واقرأ وقارن، ثم اسأل نفسك: من يستفيد من أن تكره جارك؟ ومن يستفيد من أن تظل غاضباً وموجِّهاً غضبك نحو عنوان خاطئ؟

وإذا كان البعض قد اختار أن يبني مواقفه على الأوهام والدعاية، فإن المغرب اختار أن يبني مستقبله بالعمل والإنجاز. وإذا كان البعض يعيش على صناعة الأحقاد، فإن المغرب يعيش على صناعة الأمل. علَّموكم أن تكرهوا المغرب.. لكنهم لم يعلِّموكم أن المغرب أكبر من أكاذيبهم، وأقوى من حملاتهم، وأبقى من حقدهم. وسيظل المغرب، كما كان دائماً، وطناً للمجد، وعنواناً للعزة، ورايةً ترفرف عالية مهما اشتدت العواصف.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة