بوسحابة يكتب: أقنعة أحزاب تسقط في الدقيقة التسعين
أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة
قبل أشهر قليلة فقط من الاستحقاقات التشريعية، يدخل المشهد السياسي المغربي مرحلة حساسة تُختبر فيها مصداقية الخطاب العمومي أمام قرارات المؤسسات المنتخبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين. وفي هذا السياق، لم يكن تصويت نواب بمجلس المستشارين على مقترحي قانون تسقيف أسعار المحروقات وإعادة هيكلة أصول شركة "سامير" مجرد محطة تشريعية عادية، بل لحظة كاشفة لإحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في العلاقة بين السياسة والاقتصاد: من يحدد فعلياً كلفة الحياة اليومية للمغاربة؟
الأرقام التي رافقت هذا التصويت تبدو في ظاهرها تقنية: 29 صوتاً رافضاً من الأغلبية الحكومية ومن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، مقابل 10 أصوات مؤيدة من المعارضة والنقابات، مع امتناع وحيد. لكن خلف هذه الأرقام، يتشكل اصطفاف سياسي واضح حول سؤال اقتصادي بالغ الحساسية: هل يجب ترك سوق المحروقات يعمل بمنطق التحرير الكامل، أم إعادة إدخال الدولة كفاعل ضابط للأسعار حين يتعلق الأمر بسلعة تؤثر على كل تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة؟
لفهم خطورة القرار، لابد من العودة إلى طبيعة المقترحين نفسيهما. تسقيف أسعار المحروقات ليس فكرة غريبة عن تجارب الدول، بل هو أداة تنظيمية تُستعمل عندما تتحول السوق إلى فضاء غير متوازن، حيث يضعف تأثير المنافسة الحقيقية، وتصبح الأسعار أكثر ارتباطاً بتقلبات وهوامش ربح الفاعلين الكبار منها بعوامل العرض والطلب وحدها. في الحالة المغربية، يذهب كثير من النقاش العمومي إلى أن تحرير القطاع لم يرافقه دائماً انخفاض موازٍ في الأسعار كما وُعد به، بل خلق وضعاً يشعر فيه المواطن بأن الأسعار ترتفع بسرعة أكبر من قدرتها على الانخفاض.
أما المقترح الثاني، المرتبط بشركة "سامير"، فيتجاوز البعد السعري المباشر نحو سؤال أعمق يتعلق بالسيادة الطاقية. فوجود مصفاة تكرير وطنية كان يسمح نظرياً على الأقل بتقليص التبعية للأسواق الخارجية في استيراد المواد المكررة، ويمنح الدولة هامشاً أكبر في ضبط الكلفة النهائية. إغلاق هذه المنظومة وتحويل المغرب إلى بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد في مادة استراتيجية يجعل أي تقلب دولي ينعكس فوراً وبشكل مباشر على السوق الداخلية.
من هذه الزاوية، لا يبدو رفض المقترحين مجرد اختلاف في التقدير الاقتصادي، بل اختياراً سياسياً واضحاً لمواصلة نموذج تدبير يُعطي الأولوية لحرية السوق على حساب أدوات التدخل العمومي، حتى في الحالات التي يكون فيها هذا التدخل مبرراً اجتماعياً.
البرلمانية "فاطمة التامني"، عن حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي تفاعلت سريعا مع هذا التصويت الذي فجر جدلا واسعا، حيث اعتبرت أن ما جرى يعكس اصطفافاً ضد مصالح المواطنين، وهو توصيف سياسي حاد، لكنه يجد جذوره في طبيعة النتائج الفعلية لهذا الاختيار التشريعي: الإبقاء على وضع سوقي تتحكم فيه قلة من الفاعلين الكبار، في قطاع تُعتبر فيه هوامش الربح من بين الأعلى مقارنة بقطاعات أخرى، بينما يتحمل المستهلك النهائي كلفة التقلبات كاملة دون آليات حماية فعالة.
هنا يبرز جوهر الإشكال الحقيقي: ليس في وجود شركات أو فاعلين اقتصاديين يسعون للربح، فهذا طبيعي في أي اقتصاد سوق، بل في حدود تدخل الدولة لضبط التوازن بين الربح والمصلحة العامة. عندما تُرفع يد الدولة تماماً عن قطاع استراتيجي مثل المحروقات، دون أدوات بديلة كالتسقيف أو الدعم الموجه أو آليات شفافية صارمة في التسعير، فإن النتيجة المنطقية هي انتقال عبء التوازن إلى المواطن وحده.
والأثر المباشر لهذا الخيار لا يحتاج إلى كثير من التنظير: النقل يرتفع، كلفة الإنتاج ترتفع، أسعار المواد الأساسية تتأثر، وفي النهاية تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بشكل تدريجي لكنه مستمر. هذا ليس خطاباً نظرياً، بل واقعاً يعيشه المغاربة يومياً في السوق، وفي فاتورة الكهرباء، وفي تكلفة التنقل، وحتى في أسعار الخدمات.
ما يجعل هذا التصويت أكثر حساسية هو توقيته السياسي. فقبل أشهر من الانتخابات، كان من المتوقع أن تحاول الأحزاب تقديم إشارات تهدئة اجتماعية أو على الأقل الانفتاح على نقاشات من هذا النوع. لكن ما حدث يعكس العكس تماماً: تثبيت خيار اقتصادي مثير للجدل، رغم كلفته الاجتماعية العالية، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال سياسي أكبر من مجرد قانونين مرفوضين.
فإذا كانت المؤسسات التمثيلية، في لحظة يُفترض أنها لحظة انتخابية حساسية، اختارت رفض أدوات قد تُفهم على أنها لصالح المستهلك، فكيف ستُبنى لاحقاً خطابات طلب الثقة من نفس الناخبين الذين يدفعون ثمن هذه القرارات؟
الأخطر في هذا السياق ليس فقط مضمون القرار، بل الرسالة الضمنية التي يُنتجها: أن منطق السوق، كما هو مُدار حالياً، يُقدَّم كخيار "نهائي" لا قابلية لتعديله حتى حين تتصاعد الكلفة الاجتماعية. وهذه نقطة جوهرية في أي نقاش ديمقراطي، لأن السياسة ليست فقط تدبيراً للاقتصاد، بل أيضاً إدارة للتوازن بين الفئات الاجتماعية ومنع تحول الاختلالات الاقتصادية إلى احتقان اجتماعي دائم.
في النهاية، قد يختلف المتتبعون حول جدوى التسقيف أو مستقبل "سامير"، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن هذا التصويت يكرّس استمرار نموذج اقتصادي تتحمل فيه الأسر المغربية الجزء الأكبر من تقلباته دون آليات حماية كافية. وهنا يصبح السؤال الذي يفرض نفسه قبل الانتخابات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:
بأي منطق سياسي ستعود الأحزاب إلى الناخبين، وهي تعلم أن أحد أكثر الملفات حساسية اجتماعياً قد تم حسمه ضد أي تدخل يمكن أن يخفف العبء عنهم؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بأن صوته سيحدث فرقاً، إذا كانت القرارات الكبرى تُحسم في اتجاه واحد، ثم يُطلب منه لاحقاً التصديق عليها انتخابياً؟
