بوسحابة يكتب.. هل تحول "لقجع" إلى صداع في رأس قيادات داخل حزب "الجرار"؟
أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة
في السياسة، لا تُقاس قيمة الاستقطابات فقط بحجم الأسماء التي تنضم إلى الأحزاب، بل أيضاً بالكلفة التي قد تجد هذه الأحزاب نفسها مضطرة إلى تحملها مقابل ذلك. ولهذا يبدو أن النقاش الذي رافق التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة بدأ ينتقل تدريجياً من مرحلة الاحتفاء بالمكسب السياسي إلى مرحلة التساؤل حول تداعياته الداخلية. فالرجل الذي اعتبره كثيرون إضافة نوعية للحزب، بحكم حضوره القوي في المشهدين السياسي والمؤسساتي داخل المغرب وخارجه، قد يكون في الآن ذاته مصدر تحولات عميقة داخل تنظيم لم يعتد على وجود شخصية بهذا الوزن وبهذا القدر من التأثير.
لقد جرت العادة أن تنجح الأحزاب في استيعاب الوافدين الجدد وإدماجهم في منطقها التنظيمي وخياراتها السياسية، مهما كانت مكانتهم أو شهرتهم. غير أن ما يميز حالة لقجع هو أن الحديث لم يعد يدور حول شخصية التحقت بحزب سياسي، بل حول شخصية يبدو أن الحزب نفسه بات مضطراً إلى إعادة ترتيب جزء من حساباته لمواكبة حضورها. وهنا يطرح السؤال الذي يتردد في الكواليس أكثر من أي وقت مضى: هل استقطب البام فوزي لقجع، أم أن هذا الأخير هو الذي بدأ يعيد تشكيل جزء من توازنات الحزب؟
هذا السؤال يجد ما يغذيه في عدد من المؤشرات التي برزت خلال الأسابيع الأخيرة. فمن اللافت أن الحزب لم يحسم بعد في عدد من الملفات المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة، في وقت سارعت فيه أغلب الأحزاب الكبرى إلى ترتيب بيتها الداخلي واستكمال لوائحها الانتخابية. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى تصريح إذاعي حديث لمحمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية للحزب، أكد فيه أن عدداً من الأمور لم تحسم بعد، وهو ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة، خصوصاً أن هذا التأخر يتزامن مع حديث متزايد عن نقاشات حادة بشأن طبيعة الأسماء التي ستحظى بالتزكية خلال المرحلة المقبلة.
وتذهب بعض القراءات إلى أبعد من ذلك، إذ تربط هذا التأخر برغبة متنامية في القطع مع ممارسات ظلت محل انتقاد داخل المشهد الحزبي عموماً. فهناك من يتحدث عن تشدد غير مسبوق تجاه أسماء كانت تعتبر حصولها على التزكية أمراً شبه محسوم، وهناك من يرى أن معايير جديدة بدأت تفرض نفسها داخل الحزب، سواء تعلق الأمر بصورة المرشحين أو بقدرتهم على تمثيل خطاب سياسي أكثر انسجاماً مع رهانات المرحلة المقبلة. وإذا كانت هذه المعطيات لا تزال في حدود ما يُتداول سياسياً، فإنها تعكس على الأقل انطباعاً متزايداً بأن مرحلة ما بعد التحاق لقجع ليست كما كانت قبله.
ويتعزز هذا الانطباع أكثر مع استمرار الحديث منذ أشهر عن الشروط التي قيل إن لقجع وضعها قبل الالتحاق بالحزب. فسواء تعلق الأمر بطريقة اختيار المرشحين، أو بطبيعة البرنامج الانتخابي، أو بأسلوب تدبير بعض الملفات التنظيمية، فإن مجرد استمرار تداول هذه الرواية يكشف أن كثيرين لا ينظرون إلى الرجل باعتباره منخرطاً عادياً جاء للتكيف مع قواعد قائمة، بل كشخصية التحقت وهي تحمل تصوراً واضحاً لما ينبغي أن يكون عليه الحزب في المستقبل.
ومن الصعب أيضاً تجاهل التحولات التي طرأت على المشهد السياسي خلال الفترة الأخيرة، سواء داخل الأغلبية الحكومية أو في طريقة التعاطي مع عدد من الملفات الحساسة. فهناك من يرى أن انخراط الأصالة والمعاصرة في مبادرات كانت تبدو إلى وقت قريب مستبعدة لا يمكن فصله عن موازين القوى الجديدة التي بدأت تتشكل داخل الحزب، ولعل أبرزها موافقته على مبادرة برلمانية تروم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول ملف "فراقشية الأكباش". وقد يكون هذا الربط صحيحاً أو مبالغاً فيه، لكنه يعكس مرة أخرى حجم الحضور الذي بات اسم لقجع يفرضه في كل نقاش يتعلق بمستقبل الحزب.
غير أن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بمدى تأثير لقجع داخل البام، بل بطبيعة هذا التأثير نفسه. فالرجل لم يبن صورته في تدبير الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على أساس المجاملة أو التعايش مع الاختلالات، وإنما على منطق النتائج والانضباط وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويكفي أن نستحضر التحول غير المسبوق الذي شهدته كرة القدم الوطنية خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب موقعه المحوري في تدبير مالية الدولة، لفهم أن الأمر يتعلق بشخصية اعتادت الاشتغال بمنطق النجاعة وتحقيق الأهداف أكثر من اعتيادها على منطق التوازنات التقليدية.
ومن هنا تحديداً تكتسب فرضية الندم مشروعيتها السياسية. فربما لم يكن استقطاب فوزي لقجع بالنسبة إلى بعض الأطراف داخل الحزب مجرد استقدام اسم وازن لتعزيز الرصيد الانتخابي، بقدر ما كان إدخال معايير جديدة قد لا تناسب الجميع. فحين يدخل شخص بهذه المواصفات إلى أي تنظيم سياسي، فإن أول ما يتعرض للاختبار ليس الخطاب المعلن، بل الأشخاص الذين اعتادوا الاستفادة من الهوامش الرمادية ومن منطق التسويات والتوازنات.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كان البام قد ربح فوزي لقجع، فذلك يكاد يكون محل إجماع. السؤال الأكثر إثارة هو ما إذا كانت بعض مكونات الحزب بدأت تكتشف أخيرا أن هذا المكسب جاء مصحوباً برهانات جديدة لم تكن في الحسبان. فهل بدأ البام يندم فعلا على استقطاب الرجل لأنه أصبح عبئاً؟ على الأرجح لا. لكن قد يكون هناك من بدأ ينزعج لأن وجوده يفرض قواعد جديدة للعبة، ويهدد بإنهاء مرحلة طويلة استفادت خلالها وجوه معينة من أوضاع لم تعد قابلة للاستمرار.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن ما يجري اليوم لا يعكس أزمة بين البام ولقجع بقدر ما يعكس صراعاً بين ثقافتين: ثقافة تدبير قائمة على منطق الانضباط والنتائج، وثقافة أخرى اعتادت التعايش مع الأمر الواقع. وبين هاتين الرؤيتين، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة داخل حزب الأصالة والمعاصرة.
