الشرقاوي.. إنجازات "الأسود" أعادت رسم صورة المغرب عالميًا ورسخت مكانته كحلقة وصل بين القارات
أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة
في دراسة تحليلية جديدة، قدم الدكتور الشرقاوي الروداني، أستاذ الدبلوماسية والعلاقات الدولية والأمن وإدارة الأزمات، قراءة جيوسياسية لمسار كرة القدم المغربية، معتبراً أن الإنجازات التي حققتها المملكة في المستطيل الأخضر خلال السنوات الأخيرة تتجاوز بعدها الرياضي، لتعكس تحولاً استراتيجياً أوسع في مكانة المغرب الإقليمية والدولية.
وترى الدراسة، التي نشرتها مجلة "مودرن ديبلوماسي" تحت عنوان "كيف تكشف كرة القدم صعود المغرب كقوة رابطة"، أن المسيرة التاريخية للمنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم 2022 لم تكن سوى الواجهة الأكثر وضوحاً لتحولات عميقة شهدتها المملكة في مجالات الدبلوماسية والاستثمار والبنية التحتية والتعاون الإقليمي، مؤكدة أن المغرب لم يصعد بفضل كرة القدم، بل إن كرة القدم كشفت للعالم مسار صعوده ورسخت صورته باعتباره "قوة رابطة" تجمع بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والفضاء الأطلسي.
وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن كرة القدم لم تعد مجرد نشاط رياضي منفصل عن محيطه، بل أصبحت مؤشراً يعكس جودة الحكامة، وحجم الاستثمارات، وفعالية سياسات تكوين الشباب، وقدرة الدول على التخطيط الاستراتيجي وتحقيق أهدافها بعيدة المدى. وفي هذا الإطار، يرى الروداني أن ما حققه المنتخب المغربي في مونديال قطر لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها المملكة خلال العقدين الأخيرين، سواء على مستوى تطوير البنيات التحتية أو تعزيز الحضور الدبلوماسي أو توسيع الشراكات الاقتصادية والإقليمية.
وتؤكد الدراسة أن بلوغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم 2022، كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، لم يؤسس لمكانة جديدة للمغرب على الساحة الدولية، وإنما كشف أمام الرأي العام العالمي واقعاً كان قد بدأ يتشكل تدريجياً قبل سنوات. فالمملكة، بحسب الدراسة، كانت قد رسخت موقعها كفاعل إقليمي ودولي من خلال الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتحديث مؤسساتها، وتعزيز انفتاحها الاقتصادي والدبلوماسي، قبل أن تمنحها البطولة العالمية فرصة استثنائية لإبراز هذه التحولات أمام أكثر من خمسة مليارات مشاهد تابعوا المنافسات عبر شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية.
وتشير الدراسة إلى أن المغرب كان يُنظر إليه، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، باعتباره وجهة سياحية متميزة وشريكاً استراتيجياً لأوروبا ودولة تنتمي إلى شمال إفريقيا، غير أن كأس العالم قدم صورة مختلفة تماماً، أظهرت بلداً قادراً على منافسة القوى التقليدية في كرة القدم، وحشد جالياته المنتشرة عبر العالم، وإبراز طموحات تتجاوز حدوده الإقليمية، بما يعكس تحولاً في صورته الدولية وفي طريقة إدراكه من قبل المتابعين حول العالم.
كما يرى الروداني أن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن في نتائجه الرياضية فحسب، وإنما في كونه أعاد صياغة السردية الدولية حول المغرب، موضحاً أن الدول أصبحت مطالبة اليوم ببناء نفوذها من خلال أدوات التأثير الثقافي والرمزي إلى جانب أدوات القوة التقليدية. وفي هذا السياق، تعتبر كرة القدم، بحسب الدراسة، من أكثر وسائل القوة الناعمة تأثيراً، بالنظر إلى قدرتها على مخاطبة مليارات الأشخاص في مختلف القارات، وإعادة تشكيل صورة الدول وتعزيز جاذبيتها الدولية.
وتبرز الدراسة أن الاحتفاء الواسع الذي رافق إنجاز المنتخب المغربي لم يقتصر على الداخل الوطني، بل امتد إلى العديد من الدول الإفريقية والعربية والأوروبية، وهو ما اعتبره الكاتب دليلاً على المكانة الخاصة التي يحتلها المغرب باعتباره جسراً يربط بين دوائر حضارية وجغرافية متعددة. كما أن الالتفاف الذي حظي به المنتخب المغربي من جماهير تنتمي إلى ثقافات مختلفة يعكس، وفق الدراسة، قدرة المملكة على بناء روابط تتجاوز الحدود السياسية واللغوية والدينية.
وتؤكد الدراسة أن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية طويلة الأمد للاستثمار في الرأسمال البشري الرياضي، مستشهدة بأكاديمية محمد السادس لكرة القدم باعتبارها نموذجاً للاستثمار الاستراتيجي في تكوين المواهب، إلى جانب تطوير البنيات التحتية الرياضية واعتماد منظومة حديثة للإعداد والتكوين. وترى أن النتائج التي حققتها المنتخبات الوطنية في مختلف الفئات السنية تؤكد أن الأمر يتعلق بمشروع متكامل وليس بإنجاز ظرفي.
كما تتوقف الدراسة عند الموقع الجغرافي للمغرب، معتبرة أنه يمنحه مؤهلات استثنائية للعب دور حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والفضاء الأطلسي، غير أن كرة القدم جعلت هذا الدور أكثر وضوحاً بالنسبة للرأي العام العالمي، بعدما تحولت الإنجازات الرياضية إلى وسيلة لإبراز العمق الإفريقي للمملكة، وعلاقاتها الأوروبية، وانتمائها العربي والمتوسطي في آن واحد.
وتخلص الدراسة إلى أن كرة القدم ليست السبب في صعود المغرب، وإنما أصبحت المرآة التي تعكس تحولات أوسع تشهدها المملكة على المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وترى أن استضافة المغرب للتظاهرات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس الأمم الإفريقية، ثم مشاركته في تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تمثل امتداداً لهذا المسار، وتعكس الثقة الدولية في قدرات المملكة التنظيمية ومؤسساتها وبنياتها التحتية. وتؤكد في ختامها أن المغرب يقدم اليوم نموذجاً لدولة نجحت في توظيف الرياضة ضمن رؤية استراتيجية شاملة، جعلت من كرة القدم إحدى أهم واجهات القوة الناعمة، وأداة لإبراز مكانة المملكة كقوة رابطة بين القارات والثقافات والفضاءات الجيوسياسية المختلفة.
