الطيار.. مناورات مدريد بين الرباط والجزائر تهدد بنسف الثقة مع المغرب وإعادة العلاقات إلى “المنطقة الرمادية”
أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
يرى الدكتور محمد الطيار، الخبير والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، أن التحول الذي عرفه الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية منذ سنة 2022، بإعلان مدريد دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، شكل نقطة تحول أساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، لكنه لا يعني بالضرورة أن إسبانيا تخلت عن كل هوامش المناورة في تدبير علاقاتها مع محيطها المغاربي.
ويعتبر الطيار أن مدريد تتحرك اليوم داخل معادلة دقيقة، فهي من جهة تدرك الأهمية الاستراتيجية للمغرب بالنسبة إلى أمنها ومصالحها الاقتصادية وملفات الهجرة والطاقة ومحاربة الإرهاب، ومن جهة أخرى تحرص على الحفاظ على علاقات ومصالح مع الجزائر، وهو ما قد يدفعها إلى البحث عن مساحة للتوازن بين الرباط والجزائر. غير أن الطيار يحذر من أن هذا التوازن يصبح محفوفا بالمخاطر عندما يلامس قضية الصحراء المغربية، لأن أي محاولة لاستخدام هذا الملف في إدارة العلاقات مع الأطراف الإقليمية قد تكون لها انعكاسات مباشرة على مستوى الثقة مع المغرب.
وبحسب الطيار، فإن أهمية المرحلة الحالية تكمن في أن العلاقات المغربية الإسبانية لم تعد قائمة فقط على المصالح الاقتصادية أو اعتبارات الجوار، وإنما تأسست منذ 2022 على تفاهم سياسي جديد، جعل من الوضوح والثقة والاحترام المتبادل عناصر أساسية في إعادة بناء العلاقة الثنائية. ولذلك، فإن الحفاظ على هذه المكتسبات يتطلب، في نظره، أن يكون الموقف الإسباني المعلن من قضية الصحراء منسجما مع الممارسات والسياسات الصادرة عن مختلف المؤسسات الإسبانية.
وفي هذا السياق، يتوقف الطيار عند المبادرات التي ظهرت داخل البرلمان الإسباني بشأن تسهيل منح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين المغاربة، باعتبارها تطورا يستحق القراءة السياسية، لا سيما أن الأمر يتعلق بملف يرتبط مباشرة بمرحلة الإدارة الإسبانية للصحراء وبالسياق التاريخي للنزاع.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن المبادرة ذات طبيعة برلمانية، وليست قرارا صادرا عن الحكومة الإسبانية، كما أنها لا تعني، في حد ذاتها، تغييرا في الموقف الرسمي لمدريد من قضية الصحراء. وهذه نقطة أساسية يشدد عليها تحليل الطيار، لأن تحميل الحكومة الإسبانية مسؤولية مباشرة عن مبادرة تشريعية برلمانية سيكون تجاوزا للمعطى المؤسساتي والقانوني.
لكن الطيار يرى، في المقابل، أن الطابع البرلماني للمبادرة لا يلغي دلالتها السياسية، لأن مجرد انتقال موضوع يرتبط بالصحراء إلى المجال التشريعي الإسباني يمكن أن يعيد الملف إلى دائرة النقاش السياسي الداخلي، وأن يفتح الباب أمام قراءات وتأويلات تتجاوز البعد القانوني أو الإداري لموضوع الجنسية.
ومن هنا تحديدا يشرح الطيار مفهوم “المنطقة الرمادية”، فهو لا يتحدث عن تراجع رسمي إسباني عن دعم الحكم الذاتي، وإنما عن احتمال ظهور مسافة بين الموقف الحكومي المعلن وبين بعض المبادرات أو الرسائل السياسية الصادرة داخل المؤسسات الإسبانية، بما قد يجعل المغرب أمام صورة أقل وضوحا بشأن اتجاه السياسة الإسبانية.
ويعتبر الطيار أن هذه المسألة تصبح أكثر حساسية عندما توضع في سياق العلاقات الإسبانية الجزائرية. فمدريد، بحكم موقعها ومصالحها، معنية بالحفاظ على قنوات اتصال مستقرة مع الجزائر، لكن محاولة تحقيق هذا التوازن، في تقديره، لا ينبغي أن تتم عبر ملفات تعتبرها الرباط ذات طبيعة سيادية واستراتيجية.
فالمغرب، بحسب قراءة الطيار، لا يعترض على أن تكون لإسبانيا علاقات ومصالح مع الجزائر، وإنما ينتظر ألا تتحول هذه العلاقات إلى عامل يدفع مدريد إلى اعتماد مقاربات مزدوجة تجاه قضية الصحراء، خصوصا بعد أن اختارت الحكومة الإسبانية سنة 2022 موقفا سياسيا واضحا من مبادرة الحكم الذاتي.
ويشدد الطيار على أن الفرق كبير بين أن تحافظ دولة على علاقاتها المتوازنة مع مختلف شركائها، وبين أن تحاول استخدام ملف حساس مثل الصحراء لتحقيق هذا التوازن. ففي الحالة الثانية، قد تكون النتيجة عكسية، لأن ما تعتبره مدريد مناورة دبلوماسية للحفاظ على هامش الحركة قد يُفهم في الرباط باعتباره تراجعا عن روح المرحلة الجديدة.
ويكتسب هذا التحليل أهمية إضافية بالنظر إلى أن الحكومة الإسبانية واصلت رسميا التأكيد على موقفها من الحكم الذاتي، ما يعني أن الحديث عن تراجع إسباني رسمي سيكون غير دقيق. ولذلك، فإن الطيار يركز على مستوى آخر من المعادلة، يتعلق بمدى انسجام الموقف الرسمي مع الممارسات السياسية والمؤسساتية التي يمكن أن تنتج رسائل مختلفة.
وبهذا المعنى، فإن “المنطقة الرمادية” التي يحذر منها الطيار لا تعني عودة مدريد إلى موقفها السابق من قضية الصحراء، وإنما تعني عودة الغموض إلى العلاقة في حال تراكمت مبادرات أو مواقف يمكن أن تجعل الرباط تشك في مدى ثبات التحول الذي عرفته السياسة الإسبانية.
ويرى الطيار أن المغرب، في المرحلة الحالية، ينتظر من إسبانيا أكثر من مجرد الحفاظ على الصيغة الدبلوماسية التي أعلنتها سنة 2022؛ فهو ينتظر ترجمة هذا الموقف إلى ممارسة سياسية واضحة، وعدم السماح بأن تتحول قضية الصحراء إلى ورقة ضمن الحسابات المرتبطة بعلاقات مدريد مع الجزائر أو غيرها من الأطراف.
وفي المقابل، فإن مصلحة إسبانيا نفسها، وفق هذا التحليل، تقتضي الحفاظ على الثقة مع الرباط، بالنظر إلى الوزن الذي أصبحت تمثله الشراكة المغربية الإسبانية في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والطاقة والاستقرار الإقليمي. وبالتالي، فإن أي اهتزاز في هذه الثقة لن يكون محصورا في قضية الصحراء، وإنما قد يمتد إلى مجمل العلاقات الثنائية.
وخلاصة تحليل الطيار أن التحدي أمام مدريد لا يتمثل في الاختيار بين المغرب والجزائر، وإنما في قدرتها على إدارة علاقاتها مع الطرفين دون أن تجعل قضية الصحراء مجالا للمناورة. فالحفاظ على التوازن الإقليمي ممكن، بحسب هذه القراءة، لكن ليس على حساب وضوح الموقف من قضية تعتبرها الرباط جوهرية بالنسبة إلى سيادتها ووحدتها الترابية.
وفي النهاية، يحذر الطيار من أن استمرار هذا النوع من المناورات، إذا اتخذ شكل رسائل سياسية متناقضة، قد يؤدي تدريجيا إلى استنزاف رصيد الثقة الذي راكمه البلدان منذ 2022، وإعادة العلاقات إلى “المنطقة الرمادية” التي يفترض أن تكون المرحلة الجديدة قد تجاوزتها. أما الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية، فيبقى رهينا بقدرة مدريد على جعل موقفها المعلن من الصحراء منسجما مع ممارستها، وبقدرة الطرفين على حماية الثقة من الحسابات الظرفية والتوازنات الإقليمية.
