القائمة الرئيسية
أخبارنا

بين طنجة والدوحة.. السلاح الإسرائيلي يفضح صمت المتاجرين بالقضية الفلسطينية في المغرب

بين طنجة والدوحة.. السلاح الإسرائيلي يفضح صمت المتاجرين بالقضية الفلسطينية في المغرب

في خبر يفترض، وفق منطق بعض الأصوات التي احترفت المتاجرة بشعار "مناهضة التطبيع"، أن يقلب الدنيا رأسا على عقب، أعلنت إسرائيل وقف صادرات الصناعات الدفاعية إلى قطر، بما يشمل الصفقات الجديدة وحتى عقودا قديمة لا تزال قيد التنفيذ، إلى جانب وقف خدمات الصيانة والدعم المرتبطة بمعدات سبق أن وصلت إلى الدوحة. القرار، وفق ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية ونقلته تقارير إعلامية عديدة، جاء بعدما أصبحت دوائر إسرائيلية تنظر إلى قطر باعتبارها دولة تعمل ضد مصالحها في المنطقة.

لكن المفاجأة ليست في القرار الإسرائيلي وحده، بل في ما يكشفه عن علاقة كانت قائمة بالفعل بين الطرفين، رغم غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية. فقبل هذا القرار بأسابيع، كشفت تقارير استندت إلى وثائق أمريكية وصور متاحة للعموم أن شركات إسرائيلية شاركت في برنامج مقاتلات F-15QA القطرية، وحصلت على عقود فرعية قدرت بين 150 و250 مليون دولار، شملت أنظمة ومكونات متقدمة، بينها خوذات JHMCS ونظارات للرؤية الليلية.

وهنا، بالضبط، تبدأ الحكاية التي تهم المغاربة. أين اختفى أولئك الذين حولوا مجرد إشاعة روجت لرسو سفينة قيل إنها تحمل أسلحة إسرائيلية بميناء طنجة إلى قضية وطنية؟ أين اختفت بيانات "التطبيع"؟ أين اختفت الخرائط التي تتعقب السفن، والصور المكبرة للحاويات، والتحليلات التي تعرفنا حتى على الشركة المالكة للسفينة ووجهتها النهائية؟ أين اختفى أولئك الذين كانوا يريدون محاكمة المغرب إعلاميا لمجرد شبهة لم تثبت، بينما نحن اليوم أمام تقرير إسرائيلي يتحدث صراحة عن وقف صادرات دفاعية كانت قائمة بين إسرائيل وقطر؟

الأكثر إثارة للسخرية أن هؤلاء "الكوفيين" لا يكتفون بمهاجمة سياسات المغرب، بل يقدمون أنفسهم باعتبارهم حراسا حصريين للقضية الفلسطينية، و يمنحون أنفسهم حق توزيع شهادات الوطنية والخيانة على المغاربة. لكن عندما تصل القضية إلى الدولة التي تحولت في خطابهم إلى حليف وراع ومصدر نفوذ، تختفي فجأة الحساسية تجاه "التطبيع"، ويتحول السلاح الإسرائيلي من جريمة تستوجب الصراخ إلى خبر يبدو أنه لا يستحق حتى سطرا في حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي!

وهنا لا بد من طرح السؤال الذي يحاولون الهروب منه: هل المشكلة فعلا في السلاح الإسرائيلي، أم في المغرب؟ فإذا كان التعاون مع إسرائيل مرفوضا، فلماذا لا يكون الموقف واحدا عندما يتعلق الأمر بقطر؟ وإذا كانت إشاعة رسو سفينة في ميناء طنجة نستحق كل التحريض الذي استهدف المغرب، فماذا نسمي عقودا بمئات ملايين الدولارات لشركات إسرائيلية ضمن برنامج تسليح قطري؟ وإذا كانت كل علاقة اقتصادية مع إسرائيل دليلا على "الخيانة"، فكيف نفسر هذه العلاقة الدفاعية التي كشفتها الوثائق والتقارير؟

الأمر هنا تجاوز ازدواجية المعايير إلى شيء أكثر فجاجة: هناك من يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مبدأ عندما تخدم مهاجمة المغرب، وباعتبارها ملفا شديد التعقيد عندما تقترب من قطر. في الحالة الأولى، يصبح أكثر تشددا من الجميع، وفي الحالة الثانية، يكتشف فجأة أن العلاقات الدولية فيها تفاصيل ومصالح وقنوات غير مباشرة، وأن علينا "فهم السياق" وعدم التسرع!

يا لها من مصادفة عجيبة! عندما يتعلق الأمر بالمغرب، لا يحتاج هؤلاء إلى سياق ولا وثائق ولا تحقيق مهني. أما عندما يتعلق الأمر بقطر، فتستيقظ فجأة لديهم مدرسة كاملة في التحليل الجيوسياسي، ويصبح السؤال ممنوعا، والاتهام مرفوضا، والتدقيق في التفاصيل "تضخيما"!

لأجل ذلك، فإن صمتهم اليوم ليس مجرد غياب خبر عن صفحاتهم، بل إنه اختبار سقطوا فيه أمام الرأي العام. فمن يرفع راية فلسطين في وجه المغرب، ثم يخفضها عندما تظهر علاقات عسكرية وتجارية بين إسرائيل وقطر، لا يمكنه أن يقنع الناس بأن القضية عنده مبدأ ثابت. القضية، في أحسن الأحوال، أصبحت انتقائية، وفي أسوأ الأحوال، تحولت إلى تجارة سياسية وإعلامية لها مناطق مسموح فيها بالضجيج ومناطق ممنوع فيها حتى الهمس.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.