في قراءة تحليلية جديدة بعنوان "قطر وإسرائيل... واستهداف المغرب"، أعاد الدكتور محمد الطيار، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، فتح النقاش حول طبيعة العلاقات بين الدوحة وتل أبيب، متوقفا عند مفارقة أساسية تتمثل في حرص قطر على تقديم نفسها كدولة لا تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية، في وقت تكشف فيه المعطيات التاريخية والتطورات الأخيرة عن وجود قنوات سياسية وتجارية وتكنولوجية وأمنية بين الطرفين. ويرى الطيار أن غياب السفارة أو تبادل السفراء لا يعني بالضرورة غياب العلاقة، بل قد يخفي أشكالا أخرى من التعاون العملي.
وفي هذا السياق، توقف الباحث عند القرار الإسرائيلي المعلن في غشت 2026 بوقف الصادرات الدفاعية المستقبلية إلى قطر وتعليق خدمات الصيانة والدعم لبعض المعدات الإسرائيلية الموجودة لديها، متسائلا: إذا لم تكن هناك علاقة دفاعية بين البلدين، فما الذي قررت إسرائيل وقفه تحديدا؟ ويكتسب السؤال أهمية أكبر في ضوء تقارير صحفية إسرائيلية كشفت خلال يونيو الماضي عن وصول أنظمة دفاعية إسرائيلية متطورة إلى قطر، من بينها نظام C-MUSIC الذي تنتجه شركة "إلبيت سيستمز" لحماية الطائرات من الصواريخ المحمولة على الكتف، فضلا عن مشاركة شركات إسرائيلية، عبر عقود فرعية مرتبطة بشركة "بوينغ"، في بعض مكونات برنامج مقاتلات F-15QA القطرية، بما يعني أن تكنولوجيا ومكونات دفاعية إسرائيلية دخلت فعليا في منظومات مرتبطة بالقدرات العسكرية القطرية.
في ذات السياق، يؤكد الطيار أن هذه العلاقة ليست مستجدة، مذكرا بأن التواصل القطري الإسرائيلي يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، حين استقبلت الدوحة رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز سنة 1996 وسمحت بفتح مكتب تجاري إسرائيلي، قبل أن تغلقه سنة 2009 عقب الحرب الإسرائيلية على غزة. غير أن إغلاق المكتب لم ينه الاتصالات بين الطرفين، إذ استمرت قنوات التواصل السياسي، وتعززت لاحقا من خلال الوساطة القطرية بين إسرائيل وحماس في ملفات الأسرى ووقف إطلاق النار والمفاوضات الخاصة بغزة. ومن هنا يخلص الباحث إلى أن اختزال التطبيع في السفارات وتبادل السفراء يمثل قراءة ضيقة للعلاقات الدولية، في حين أن ما يسميه "التطبيع الوظيفي" قد يقوم على التجارة والتكنولوجيا والأمن والوساطة والاتصالات السياسية دون علاقات دبلوماسية معلنة.
ويطرح هذا المعطى، بحسب الطيار، سؤالا أكثر حساسية داخل النقاش المغربي حول التطبيع: إذا كان رفض العلاقة مع إسرائيل موقفا مبدئيا، فلماذا لا يحظى تاريخ العلاقات القطرية الإسرائيلية، وما تكشفه التقارير عن التعاون الدفاعي والتكنولوجي بين الطرفين، بالاهتمام نفسه الذي تحظى به العلاقات المغربية الإسرائيلية؟ وينطبق السؤال ذاته على تركيا، التي أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل وتبادلت معها السفراء، ونسجت معها لسنوات علاقات اقتصادية وتجارية وأمنية واسعة، قبل أن تتأثر بالتوترات السياسية والحرب في غزة. وهو ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كان معيار الرفض هو العلاقة مع إسرائيل في حد ذاتها، أم أن العلاقة المغربية الإسرائيلية هي التي يراد استهدافها تحديدا.
كما لا يرى الطيار في طرح هذه الأسئلة انتقاصا من مشروعية التضامن مع الشعب الفلسطيني أو من حق المجتمع المدني في مساءلة الدولة حول خياراتها الخارجية، لكنه يحذر من تحول المبدأ إلى انتقائية سياسية، بحيث يصبح التطبيع مرفوضا بشدة في حالة المغرب، بينما يتم تجاهل أو تخفيف النقد عندما يتعلق الأمر بدول تربطها بإسرائيل علاقات أعمق وأكثر مؤسساتية. وفي المقابل، يشدد على أن المغرب يتحرك داخل بيئة إقليمية ودولية معقدة، وأن تقييم خياراته الخارجية يفترض أن ينطلق من المصلحة الوطنية والأمن الاستراتيجي والنتائج الفعلية، لا من الشعارات وحدها.
ويصل الباحث في ختام قراءته إلى أن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على "لماذا أقام المغرب علاقة مع إسرائيل؟"، بل يجب أن يمتد إلى سؤال آخر: لماذا يتم التركيز على المغرب بالخصوص، بينما تعامل علاقات دول أخرى مع إسرائيل بمعايير مختلفة؟ ومن المستفيد من تحويل القضية الفلسطينية إلى أداة دائمة لمهاجمة الدولة المغربية؟ ويؤكد أن الدفاع عن فلسطين لا يتناقض مع الدفاع عن المصالح الوطنية المغربية، مستحضرا في هذا السياق ما يقدمه المغرب من دعم للقضية الفلسطينية، عبر وكالة بيت مال القدس وغيرها من المبادرات الميدانية. وبحسب الطيار، فإن المطلوب في نهاية المطاف هو معيار واحد في تقييم العلاقات الدولية: إما رفض التطبيع باعتباره مبدأ عاما يطبق على الجميع، أو الاعتراف بأن لكل دولة حساباتها وتحالفاتها ومصالحها، على أن تتم مساءلة الخيارات المغربية على أساس نتائجها ومردودها الاستراتيجي، لا وفق معايير انتقائية.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.