القائمة الرئيسية
أخبارنا

من إيزابيلا الكاثوليكية إلى فوكس.. لماذا تبقى سبتة ومليلية وقود سعار اليمين المتطرف الإسباني تجاه المغرب؟

من إيزابيلا الكاثوليكية إلى فوكس.. لماذا تبقى سبتة ومليلية وقود سعار اليمين المتطرف الإسباني تجاه المغرب؟

أصبح مجرد نطق مسؤول مغربي بكلمتي سبتة ومليلية كافيًا لإشعال موجة من الهيستيريا السياسية لدى بعض أحزاب اليمين المتطرف في إسبانيا، وكأن الرباط ارتكبت جريمة دبلوماسية بمجرد حديثها عن ملف يمس تاريخها وجغرافيتها وسيادتها الوطنية. مشهد يتكرر في كل مرة، حيث يتحول تصريح عابر إلى أزمة مفتعلة، وتُستنفر المنابر والبيانات وكأن الأمن القومي الإسباني بات مهددًا.

المفارقة أن الأحزاب ذاتها التي تثور غضبًا ضد أي إشارة مغربية للثغرين المحتلين، لا تجد أدنى حرج في تحويل المغرب إلى موضوع يومي في خطابها الداخلي، تتاجر به في ملفات الهجرة والأمن والحدود والهوية، وتجعله عنوانًا لحملاتها الانتخابية. فلماذا يصبح حديث الرباط عن سبتة ومليلية «استفزازًا» و«تهديدًا»، بينما يعتبر حديث مدريد عن المغرب ومصالحه وقضاياه السيادية حقًا مشروعًا؟ إنها ازدواجية معايير مكشوفة، تتعامل مع المدينتين كموضوع محرّم لا يجوز حتى مناقشته، وتسعى لتحويله إلى وقود انتخابي قائم على التخويف وصناعة عدو خارجي.

وهذا ما يؤكده المحلل السياسي بلال لمراوي، في تصريح خصّ به «أخبارنا»، الذي يرى أن المغرب شكّل دائمًا بالنسبة لليمين المتطرف الإسباني ورقة انتخابية جاهزة للاستثمار. فكلما اقتربت الاستحقاقات أو احتاج هذا التيار إلى تعبئة قاعدته، جرى استحضار المغرب كفزّاعة كبرى تُربط بها كل المخاوف. بل إن حالة السعار التي تصيب هذا اليمين، حسب لمراوي، تكشف أن جزءًا من المجتمع الإسباني لا يزال قابلًا للانسياق، دون تمحيص، وراء خطاب الكراهية، وأن جزءًا من الوعي الجماعي الإسباني لا يزال يحمل عداءً لكل ما هو مغربي وإسلامي، وكأن إرث إيزابيلا الكاثوليكية وفكرة ضرورة إضعاف المغرب لا تزال حاضرة في المخيال السياسي الإسباني إلى اليوم.

في المقابل، يفرض الواقع منطقًا آخر. فالمغرب لم يحتج يومًا إلى الصراخ ليثبت حضوره، ولم يلجأ إلى العدائية ليفرض نفسه كفاعل إقليمي يُحسب له حساب. الجغرافيا وحدها تحسم الأمر، فالرباط ومدريد جاران مصيرهما مشترك، ومصالحهما متشابكة، وأمن أحدهما مرتبط باستقرار الآخر في ملفات الهجرة والإرهاب والطاقة والتجارة. ومن حق مدريد أن تتمسك بموقفها، ومن حق الرباط أيضًا أن تتمسك بموقفها وتعبّر عنه بالوسائل الدبلوماسية المشروعة، فالسيادة لا تعني احتكار الرواية التاريخية، ولا تمنح أي دولة حق إسكات جارتها.

غير أن الأخطر، كما يشدد لمراوي، هو تحويل هذا الخلاف السياسي إلى كراهية بين الشعبين، وتقديم المغرب كخصم دائم، بينما الواقع يفرض التعاون. فالعلاقات المغربية الإسبانية محكومة بالاستمرار بفعل الضرورات الاستراتيجية والاقتصادية، لكن الصراع التاريخي حول الثغور سيظل قائمًا، ولن ينتهي إلا باستعادة المغرب لسبتة ومليلية وباقي الجزر المحتلة. ولن يتحقق ذلك، يضيف المتحدث، إلا بجبهة وطنية قوية ومتماسكة، لا تعني مجرد تكتل عددي، بل التزامًا حقيقيًا من كل الأطياف والمؤسسات لبناء مغرب قوي بمؤسساته ومواطنيه، يراهن على الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية، لأن قوة المغرب في مواجهة الخارج تبدأ من الداخل.

لقد تغير الزمن، وتغيرت موازين القوى، والمغرب الذي يتحدث عنه اليمين الإسباني اليوم ليس مغرب الأمس. إنه دولة تتطور، وتوسّع شراكاتها، وتدافع عن مصالحها بصوت مسموع. أما سبتة ومليلية المحتلتان، فليستا مادة للاستهلاك الانتخابي وإشعال العواطف، بل ملف تاريخي وسياسي معقد يحتاج إلى العقل والواقعية.

ويبقى السؤال معلقًا: إذا كان من حق مدريد أن تدافع عن سيادتها بصوت عالٍ، فأليس من حق الرباط أن تدافع هي الأخرى عن ذاكرتها وسيادتها؟ أم أن الديمقراطية وحرية التعبير تتوقفان عند أسوار سبتة ومليلية؟

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.