لم تقتصر تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي على الجانب الأمني والحدودي، بل تحولت إلى معركة حول الرواية والخطاب المتداول بشأن المدينة، أظهرت، وفق دراسة استخباراتية مفتوحة المصدر، قدرة المغرب على الدفع بقضية سيادة سبتة إلى واجهة النقاش الإعلامي خارج حدوده.
وأفادت دراسة أنجزتها شركة Golden Owl المتخصصة في تحليل المعلومات مفتوحة المصدر، أن الأزمة شهدت تداول أكثر من 13 ألف مادة ومعلومة صادرة عن 21 دولة وبـ12 لغة، خلال الفترة الممتدة من 30 يوليوز إلى 30 غشت، حيث انتقل النقاش تدريجيا من أزمة الهجرة إلى قضايا السيادة والمسؤولية السياسية.
وتبرز إحدى أهم خلاصات الدراسة في الانتشار المتزايد لعبارة "سبتة المحتلة" خلال فترة الأزمة، إذ ارتفع استخدامها من 353 مادة في المرحلة الأولى إلى 602 مادة في المرحلة الثانية، رغم تراجع الحجم الإجمالي للتغطية الإعلامية.
وبحسب التقرير، فإن هذا التطور يعكس انتقال قضية السيادة على سبتة من كونها موضوعا ثانويا في تغطية أزمة الهجرة إلى محور رئيسي ومستمر في النقاش الإعلامي، وهو ما يشير إلى نجاح المغرب في توسيع نطاق خطابه بشأن وضع المدينة خارج الإعلام المغربي.
وسجلت الدراسة أيضا تفاوتا واضحا داخل الإعلام المغربي نفسه؛ إذ استخدمت وسائل الإعلام الناطقة بالعربية عبارة "سبتة المحتلة" في 59.9 في المائة من موادها المرتبطة بالأزمة، مقابل 20 في المائة لدى وسائل الإعلام المغربية الناطقة بالفرنسية.
واللافت، وفق التقرير، أن هذا الخطاب لم يبق محصورا في المغرب، بل امتد إلى فضاءات إعلامية في الخليج ومصر والجزائر، لتصبح قضية السيادة حاضرة بقوة في تناول الأزمة، بعدما كانت في بدايتها أقل بروزا.
وفي مقابل ذلك، تشير الدراسة إلى تراجع موقع الحكومة الإسبانية داخل الشبكات الإعلامية التي جرى تحليلها، بينما تحسن حضور المغرب في 13 من أصل 21 مجالا إعلاميا شملتها الدراسة، خصوصا في روسيا والصين وهونغ كونغ.
وتكشف هذه النتائج أن المواجهة لم تكن فقط حول من يتحمل مسؤولية موجة الهجرة، بل حول من ينجح في فرض الإطار الذي تُفهم من خلاله الأزمة؛ حيث تحولت سبتة من مجرد نقطة حدودية مرتبطة بالهجرة إلى قضية مرتبطة بالسيادة والعلاقات المغربية الإسبانية.
كما رصد التقرير صراعا موازيا حول أعداد الضحايا والمشاركين في محاولات العبور، إذ سجل 25 تقديرا مختلفا لعدد الوفيات، تراوحت بين 11 و141 وفاة.
واعتبرت الدراسة أن تضارب الأرقام ساهم بدوره في تغذية روايات متباينة حول حجم الأزمة والمسؤوليات المرتبطة بها، في وقت برزت فيه روايتان أساسيتان في التغطية الدولية: الأولى تصف إسبانيا بالعجز أمام الأزمة، وظهرت في 6878 مادة، والثانية تتهم المغرب باستخدام الهجرة كورقة ضغط، ووردت في 5382 مادة.
وعلى المستوى الأمني، خلصت الدراسة إلى أن التحركات التي سبقت محاولة العبور الجماعي الثانية في 15 غشت كانت تحمل مؤشرات رقمية مبكرة، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي منذ 3 غشت، وتسارعت خلال الفترة الممتدة بين 5 و7 غشت.
وخلص التقرير إلى أن الأزمة لم تنته بتراجع محاولات العبور، لأن الفضاء الرقمي الذي ساهم في التعبئة وفي تشكيل الروايات ظل قائما، ما يجعل المعركة حول الخطاب والرواية جزءا أساسيا من أي أزمة مستقبلية مرتبطة بسبتة والهجرة والحدود.
وبذلك، تُظهر الدراسة أن أحد أبرز مخرجات أزمة يوليوز لم يكن فقط حجم التحركات على الأرض، وإنما أيضا قدرة الخطاب المغربي حول "سبتة المحتلة" على تجاوز الحدود الوطنية والتحول إلى عنصر حاضر في النقاش الإعلامي الإقليمي والدولي.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.