القائمة الرئيسية
أخبارنا

بين مواقفه وصراعات الأمس.. تشكيل التحالف الحكومي يضع "البام" أمام سيناريوهات معقدة

بين مواقفه وصراعات الأمس.. تشكيل التحالف الحكومي يضع "البام" أمام سيناريوهات معقدة

بعد أن قالت صناديق الاقتراع كلمتها، وأفرزت انتخابات 23 شتنبر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، ثم العدالة والتنمية بـ54 مقعداً، انتقل المشهد السياسي من معركة النتائج إلى معركة تشكيل الحكومة. وهنا تحديداً تبدأ المفارقة: فـ"البام" الذي تصدر الاقتراع لا يحتاج إلى البحث بعيداً عن صيغة أغلبية على الورق، إذ يكفي جمع مقاعده إلى مقاعد "الأحرار" والاستقلال لبلوغ 228 مقعداً، لكن سهولة الحساب لا تعني بالضرورة سهولة التحالف. فخلف هذه الأرقام تقف حملة انتخابية اتسمت بمواجهات قوية، ووراء كل مقعد حسابات سياسية ورسائل وجهت إلى الناخبين، ما يجعل السؤال الحقيقي ليس فقط: من يملك العدد الكافي؟ بل من يستطيع تحويل هذا العدد إلى أغلبية ذات مصداقية سياسية؟

وهنا تبدأ أولى العقد مع "الأحرار". فالحزبان اللذان جمعتهما الأغلبية السابقة، دخلا السباق الانتخابي في مواجهة مكشوفة، بعدما تحولت خلافاتهما إلى حرب تصريحات وبيانات واتهامات متبادلة حول استقطاب البرلمانيين والمنتخبين والمرشحين، ووصلت بعض الاتهامات إلى ملفات مرتبطة بالفساد وتدبير المال العام، وهو ما دفع تحالف اليسار إلى المطالبة بفتح تحقيقات بشأن ما كان يتبادله الطرفان. وفي الوقت نفسه، خاض الاستقلال بدوره الحملة بخطاب انتقد فيه جوانب من حصيلة الحكومة التي كان جزءاً منها، ورفع نزار بركة عناوين من قبيل محاربة الفساد وتضارب المصالح ودعم القدرة الشرائية. لذلك، فإن عودة "البام" والاستقلال إلى جانب "الأحرار" داخل أغلبية واحدة ستضع الحزبين تحديداً أمام امتحان المصداقية السياسية مع المواطنين: كيف يمكن تفسير الانتقال من انتقاد الشريك ومواجهته خلال الحملة إلى الجلوس معه مجدداً حول طاولة الحكومة؟ لا يتعلق الأمر هنا بإمكانية التحالف من حيث المبدأ، وإنما بما إذا كانت الصيغة الجديدة ستستطيع استيعاب ما خلفته الحملة من مواقف واتهامات، وإقناع الرأي العام بأن ما جرى كان تنافساً انتخابياً انتهى بانتهاء الاقتراع.

أما بخصوص ضم البيجيدي، فينقل النقاش إلى مستوى أكثر تعقيداً. فالحزب الذي عاد بقوة إلى مجلس النواب بـ54 مقعداً خاض مواجهة سياسية مباشرة مع "البام"، وكان عبد الإله بنكيران من أكثر الأصوات حدة في مهاجمة الحزب ومرشحته المحتملة لرئاسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، حين طالبها بتحديد موقفها من تصريحات ومواقف مرتبطة بالإعلامي أحمد الشرعي، وقال إنه سيعتبرها "مرشحة إسرائيل" إذا لم تتخذ موقفاً منها. والمنصوري ردت برفض تحميل "البام" مسؤولية مواقف أطراف أخرى، مؤكدة أن مرجعية الحزب هي بياناته ومواقفه الرسمية. لذلك، فإن إدخال البيجيدي في أغلبية يقودها "البام"، إن طُرح أساساً، لن يكون مجرد عملية حسابية لإضافة 54 مقعداً، بل سيضع الطرفين أمام إرث انتخابي قريب جداً من المواجهة، وسيفرض سؤالاً سياسياً مشابهاً: كيف يتحول خطاب الصدام إلى شراكة حكومية من دون أن يثير ذلك أسئلة حول ثبات المواقف ومصداقية الخطاب أمام الناخبين؟

وإذا اصطدمت بعض الصيغ الممكنة بهذه الكلفة السياسية، فإن الخريطة العددية تفتح في المقابل الباب أمام هندسة مختلفة للأغلبية، عبر الانفتاح على أحزاب أخرى. فالحركة الشعبية تملك 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي 26، والتقدم والاشتراكية 19، والاتحاد الدستوري 17، فيما حصل كل من الحركة الديمقراطية الاجتماعية وتحالف اليسار على 8 مقاعد. وبذلك توجد حسابات تسمح نظرياً ببناء أغلبية تضم "البام" ومكونات من هذه الأحزاب، وإن كانت تركيبة بهذا الاتساع ستحتاج إلى تفاوض سياسي دقيق حول البرامج والتوازنات وتوزيع المسؤوليات. وهذه الصيغة لا تحسمها الأرقام وحدها، لكنها تضع أمام الحزب المتصدر خياراً مختلفاً: إعادة جمع مكونات كانت في الأغلبية السابقة، أم الانتقال إلى أغلبية جديدة بتوازنات سياسية مختلفة؟

في النهاية، حسمت انتخابات 23 شتنبر سؤال الصدارة، لكنها تركت سؤال الحكومة مفتوحاً. فـ"البام" أمام خريطة تمنحه أكثر من إمكانية حسابية، غير أن كل إمكانية تحمل معها كلفتها السياسية الخاصة، فإعادة تركيب أغلبية تضم خصوماً انتخابيين ستستدعي تجاوز ما قيل خلال الحملة وتقديم تفسير مقنع للرأي العام، بينما بناء أغلبية جديدة سيعني فتح مفاوضات أخرى حول البرامج والتوازنات. وهنا بالضبط تكمن صعوبة المرحلة المقبلة: الأرقام تحدد من يمكن أن يدخل إلى الأغلبية، لكن السياسة هي التي ستحدد من يستطيع أن يجلس فعلاً حول الطاولة نفسها.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.