القائمة الرئيسية
أخبارنا

من صناديق الجنوب.. المغرب يبعث رسائل قوية إلى الخارج بشأن ملف الصحراء والحكم الذاتي

من صناديق الجنوب.. المغرب يبعث رسائل قوية إلى الخارج بشأن ملف الصحراء والحكم الذاتي

من صناديق الاقتراع في الجنوب، جاءت الرسالة واضحة معززة بالحجة والدليل: مشاركة بلغت 77 بالمائة في العيون-الساقية الحمراء، و 61 بالمائة في الداخلة-وادي الذهب، و53.48 بالمائة في كلميم-واد نون، مقابل 38.08 بالمائة كمعدل وطني. وفي ملف تتجاوز رهاناته حدود الانتخابات، تكتسب هذه الأرقام قيمة سياسية خاصة، لأنها تكشف عن انخراط واسع لسكان الأقاليم الجنوبية في مؤسسات الدولة والعملية السياسية، وتمنح الرباط ورقة إضافية في مواجهة كل القراءات التي تشكك في طبيعة ارتباط ساكنة المنطقة بالمغرب، خصوصاً في مرحلة يتجه فيها النقاش الدولي نحو البحث عن تسوية تجعل الحكم الذاتي محوراً أساسياً في مسار التفاوض.

ما يجعل هذه الأرقام لافتة ليس ارتفاعها فحسب، وإنما الفارق الكبير بينها وبين المعدل الوطني، وما يعكسه ذلك من حضور قوي لسكان الجنوب في الاستحقاق التشريعي. فالمشاركة في الانتخابات تعني الانخراط في آلية وطنية للتمثيل السياسي واختيار ممثلين داخل المؤسسة التشريعية، فيما تكشف الأرقام المحلية عن مستويات أعلى من ذلك، إذ بلغت المشاركة 88.88 بالمائة في طرفاية، و80.17 بالمائة في أوسرد، و 79.52 بالمائة في العيون، و75.36 بالمائة في بوجدور. وبالنسبة لملف الصحراء، تمنح هذه المعطيات المغرب واقعة ميدانية قابلة للاستثمار دبلوماسياً، لأنها تظهر أن سكان الأقاليم الجنوبية يشاركون بوضوح في المؤسسات والآليات السياسية للدولة.

وتأتي هذه الرسالة في لحظة دقيقة من مسار القضية، لم يعد فيها النقاش الدولي محصوراً في عرض المواقف، وإنما يتجه نحو البحث عن حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف. وفي هذا السياق، يكتسب مقترح الحكم الذاتي المغربي وزناً متزايداً، خصوصاً بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي جعل المقترح أساساً للمفاوضات. ومن ثم، فإن إبراز حجم المشاركة السياسية في الأقاليم الجنوبية يضيف بعداً عملياً إلى الخطاب المغربي: فهناك مؤسسات منتخبة، وتمثيلية سياسية، ومشاركة واسعة لسكان المنطقة، وهي عناصر يمكن وضعها ضمن النقاش المتعلق بالشكل الذي يمكن أن يأخذه الحل السياسي المرتقب.

وهنا تتصل الانتخابات مباشرة بمسار تنزيل الحكم الذاتي. فالمبادرة المغربية لا تفترض إنشاء حياة سياسية ومؤسساتية من نقطة الصفر، وإنما تقترح نظاماً للحكم الذاتي تديره مؤسسات منتخبة ذات اختصاصات واسعة، ضمن السيادة المغربية. وبالتالي، فإن التجربة الانتخابية القائمة في الأقاليم الجنوبية، وما تفرزه من مؤسسات وتمثيلية ومشاركة سياسية، يمكن أن تشكل أرضية مؤسساتية أولية للبناء عليها عند الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة تفصيل الاختصاصات والموارد وآليات الحكامة والتمثيل. أي أن الرهان لا يتعلق فقط بإبراز المشاركة أمام الخارج، وإنما بمدى القدرة على تحويل هذا الواقع المؤسساتي إلى قاعدة عملية لنموذج حكم ذاتي متكامل.

وعليه، فإن انتخابات الجنوب تحمل رسالة تتجاوز نسبة المشاركة في حد ذاتها: ساكنة الأقاليم الجنوبية تواصل الانخراط في المؤسسات الوطنية والمشاركة في صناعة تمثيليتها السياسية، وهو معطى يصعب تجاهله في أي نقاش جدي حول مستقبل المنطقة.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.