القائمة الرئيسية
أخبارنا

ما الذي تغيّر بين الأمس واليوم؟.. بنكيران في قلب "بروباغندا" جديدة بعد انقلابه على العثماني بسبب "التطبيع"

ما الذي تغيّر بين الأمس واليوم؟.. بنكيران في قلب "بروباغندا" جديدة بعد انقلابه على العثماني بسبب "التطبيع"

مرة أخرى، وجد عبد الإله بنكيران نفسه في قلب جدل سياسي جديد، عقب تصريحات أعادت إلى الواجهة خلافه مع سلفه سعد الدين العثماني، وكشفت، بحسب متابعين، مفارقات لافتة بين خطاب الأمس القريب ومواقف اليوم.. تصريحات دفعت إلى طرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا التصعيد، ولماذا اختار بنكيران في هذا التوقيت تحديدا استهداف أحد أبرز الوجوه التي قادت الحزب والحكومة في مرحلة سابقة، وما إذا كان الأمر لا يتجاوز خلافا داخليا، أم أن له صلة بحسابات وتوجهات سياسية مرتبطة بالمرحلة المقبلة. فبين موقف سابق دافع فيه بنكيران عن العثماني في سياق توقيع اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل، وموقف حالي يستحضر التوقيع نفسه لمهاجمة سلفه، تبدو المسافة بين الأمس واليوم كافية لفتح نقاش واسع حول المسؤولية السياسية وذاكرة الحزب والأسباب التي أعادت هذا الملف إلى الواجهة في هذا التوقيت بالذات.

ولعل أكثر ما يثير انتباه المتابعين أن اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل لم يكن قرارا مجهولا أو حدثا مر من خلف الستار.. فقد وقع العثماني الاتفاق في دجنبر 2020 بصفته رئيسا للحكومة، وكان في الوقت نفسه أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، بينما كان بنكيران، باعتباره أحد أبرز قيادات الحزب، يتابع تداعيات القرار ويدافع عن العثماني، رافضا اختزال المسؤولية في شخصه. بل إن مواقف بنكيران آنذاك اتجهت إلى التأكيد على أن الأمر يتعلق بقرار للدولة، وليس بقرار حزبي صرف، وهو ما يجعل استحضار التوقيع اليوم باعتباره مدخلا لمهاجمة العثماني يفتح الباب أمام سؤال أساسي: ما الذي تغير فعلا خلال هذه السنوات.. القرار نفسه أم طريقة التعامل معه؟

ويرى منتقدو بنكيران أن المفارقة لا تقف عند حدود اختلاف الموقفين، وإنما تمتد إلى طريقة توزيع المسؤولية السياسية عن مرحلة كاملة بعد مرور سنوات عليها. فإذا كان العثماني يتحمل اليوم مسؤولية توقيعه، فلماذا لم يكن بنكيران يتعامل معه بالمنطق نفسه عندما كان الاتفاق في بدايته؟ وإذا كان القرار مؤسساتيا ولا يمكن اختزاله في شخص رئيس الحكومة، كما كان الخطاب آنذاك، فكيف أصبح اليوم ورقة تستعمل في مواجهة الأمين العام السابق؟ ثم كيف يستقيم الحديث عن "لا علم لنا به"، في وقت كان فيه الاتفاق موضوع نقاش داخل الحزب نفسه، وأثار منذ البداية جدلا بين قياداته وقواعده؟

الأكثر إثارة أن هذا السجال يأتي في مرحلة سياسية مختلفة تماما عن تلك التي أحاطت بقرار 2020.. وهنا يرى متابعون أن استدعاء ملفات المرحلة السابقة قد يكون مرتبطا أيضا بإعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب، وتحديد من يمثل ماضيه ومن يملك حق الحديث باسمه اليوم. ومن هذه الزاوية، فإن استهداف العثماني لا يقرأ فقط باعتباره خلافا بين شخصين، وإنما باعتباره صراعا على الرواية السياسية للحزب: من يتحمل إرث مرحلة الحكومة؟ ومن يملك حق تقديم تفسيرها أمام القواعد والرأي العام؟ وهل المطلوب مراجعة فعلية لتلك المرحلة، أم الفصل بين القيادة الحالية وقرارات سابقة باتت اليوم ثقلا سياسيا؟

ثم جاءت عبارة بنكيران: "الزم بيتك.. وشد تيقارك"، لتضيف إلى الجدل بعدا آخر.. فالعثماني ليس قياديا عاديا، بل أمين عام سابق ورئيس حكومة سابق، وكان إلى وقت قريب واحدا من أبرز الوجوه التي مثلت العدالة والتنمية في الدولة والمجتمع. ولذلك يرى منتقدو بنكيران أن طريقة مخاطبته تطرح سؤالا حول مساحة الاختلاف داخل الحزب، وما إذا كانت القيادات السابقة مطالبة بالصمت بمجرد انتهاء ولايتها، أم أن من حقها الدفاع عن تجربتها والرد على الانتقادات الموجهة إليها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقرارات اتخذت في مرحلة كانت فيها في موقع المسؤولية.

وفي المقابل، فإن إعادة فتح ملف التطبيع يمكن أن تكون، من حيث المبدأ، مناسبة لمراجعة موقف الحزب من قرار 2020 وتقييم تجربته الحكومية كاملة.. غير أن منتقدي بنكيران يرون أن هذه المراجعة تفقد جزءا من قوتها عندما تتركز على شخص واحد، بينما كانت المرحلة محكومة بسياق مؤسساتي وسياسي معقد. فالمساءلة الجادة، بحسب هذه القراءة، لا ينبغي أن تبدأ من سؤال "من وقع؟" وتنتهي عنده، بل تمتد إلى سؤال من كان يعلم، ومن ناقش، ومن دافع، ومن تحمل المسؤولية السياسية وقتها، ومن يعيد اليوم تقديم تلك المرحلة بطريقة مختلفة.

وبين خطاب الأمس وموقف اليوم، تتسع دائرة الأسئلة حول ما إذا كان بنكيران يعيد فعلا قراءة مرحلة العثماني، أم يعيد ترتيب موقعها داخل الذاكرة السياسية للعدالة والتنمية.. فالمواقف السياسية قابلة للمراجعة، لكن الوقائع لا تتغير بتغير المواقع، والمسؤوليات لا يفترض أن يعاد توزيعها كلما تغيرت موازين القوة داخل الحزب. ولهذا تحديدا، يبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل: ماذا فعل العثماني سنة 2020؟ والأهم.. ماذا كان موقف بنكيران نفسه آنذاك، ولماذا تبدو قراءته للواقعة مختلفة اليوم؟

وفي انتظار اتضاح خلفيات هذا التصعيد، يبقى المؤكد أن الخلاف بين الرجلين تجاوز حدود العلاقة بين أمين عام حالي وسلفه، ليضع أمام العدالة والتنمية مرآة لمرحلة كاملة من تاريخه.. مرحلة السلطة والتطبيع وتدبير التناقضات، ثم الانتقال إلى المعارضة وإعادة بناء الخطاب. وبين من يرى في تصريحات بنكيران مجرد موقف داخلي ضد العثماني، ومن يقرأها في سياق أوسع يرتبط بإعادة ترتيب الأوراق داخل الحزب، يظل ملف التطبيع شاهدا على سؤال أكبر: هل تغيرت المواقف لأن الوقائع تغيرت، أم لأن مواقع أصحابها داخل الحزب تغيرت؟

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.