حين نقول إن حزب الأصالة والمعاصرة يقف أمام "آخر فرصة"، فالأمر لا يتعلق بحكم مسبق على مستقبله الانتخابي، وإنما بحجم المسؤولية السياسية التي أصبح مطالباً بتحملها. فالحزب كان جزءاً من الحكومة السابقة، وبالتالي لا يمكنه أن يتعامل مع الأوضاع الحالية بمنطق المتفرج، ولا أن يفصل نفسه عن حصيلة مرحلة شارك في تدبيرها. المغاربة اليوم لا ينتظرون خطابات جديدة بقدر ما ينتظرون أجوبة عن أسئلة أصبحت تؤرق حياتهم اليومية: كيف ستتراجع كلفة المعيشة؟ كيف سيستعيد الشباب الأمل في الشغل؟ وكيف ستتحسن الصحة والتعليم والسكن والخدمات والإدارة؟ هنا تبدأ فعلياً معركة الحزب، وهنا أيضاً يصبح شعار "آخر فرصة" أكثر من مجرد عنوان.
فالانتخابات رفعت أمام المغاربة برنامجاً تحت شعار "من أجل تغيير المسار"، يقوم على خمسة مواثيق و20 التزاماً، بكلفة تقارب 350 مليار درهم موزعة على خمس سنوات، مع وعد بخلق مليون منصب شغل، وهو ما أكده فوزي لقجع الذي تحدث عن برنامج باعتباره "عقداً لخمس سنوات"، يحتاج إلى نحو 70 مليار درهم سنوياً، وعن ضرورة الانتقال من "منطق الوعود إلى ثقافة الإنجاز".
واليوم، قيمة هذا البرنامج لن تُقاس بحجم أرقامه، وإنما بما سيصل فعلاً إلى المواطن. الأولوية يجب أن تكون للقدرة الشرائية، عبر معالجة اختلالات مسالك التوزيع وتعدد الوسطاء ومراقبة هوامش الأسعار، وللتشغيل عبر دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتحفيز الاستثمار المنتج، إلى جانب إصلاح الصحة والتعليم والسكن وتبسيط الإدارة ورقمنتها وتقليص الفوارق المجالية.
وهذه ليست مطالب مثالية أو مؤجلة، بل ملفات أصبحت مرتبطة مباشرة بثقة المواطن في الدولة والأحزاب. لذلك فإن الأصالة والمعاصرة مطالب اليوم بأن يقدم حلولاً قابلة للتنفيذ والقياس في أقرب الآجال، وأن يحدد بوضوح ما الذي يمكن إنجازه ومتى وكيف وبأي كلفة، وأن يجعل من محاربة الغلاء وخلق فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية مؤشرات حقيقية للحصيلة. صحيح أن الحزب ليس وحده مسؤولاً عن كل ما يعيشه المغرب اليوم، وأن الأوضاع الاقتصادية والمناخية والدولية تفرض قيوداً على أي حكومة، لكن المشاركة في تدبير السلطة تعني أيضاً تحمل نصيب من المسؤولية والقدرة على تقديم البدائل، لا الاكتفاء بتفسير الصعوبات.
والدرس الذي ينبغي أن يكون حاضراً بقوة هو تجربة العدالة والتنمية، الذي انتقل من 125 مقعداً في انتخابات 2016 إلى 13 مقعداً فقط في 2021، وبعده حزب الأحرار. لا يعني ذلك أن التاريخ سيكرر نفسه مع الأصالة والمعاصرة، لكن التجربة تؤكد حقيقة سياسية لا ينبغي تجاهلها: الثقة الانتخابية ليست ملكاً دائماً لأي حزب، والفارق بين الوعود والنتائج يمكن أن يتحول إلى عقاب انتخابي قاسٍ. لذلك فإن مشاركة "الجرار" في الحكومة السابقة، وموقعه السياسي اليوم، يجعلان هامش الخطأ أضيق بكثير، فالمغربي الذي تحمل الغلاء والانتظار وتعقيدات الإدارة وضعف بعض الخدمات يريد أن يرى تغييراً ملموساً، لا أن يسمع تفسيراً جديداً للأزمة.
لهذا بالضبط يمكن اعتبار المرحلة المقبلة آخر فرصة سياسية للأصالة والمعاصرة لإثبات أن حضوره في المشهد الحكومي لم يكن مجرد بحث عن موقع، وإنما مشروع قادر على إنتاج حلول قابلة للتطبيق. لا أحد ينتظر معجزات، لكن الجميع ينتظر ترتيباً واضحاً للأولويات، وسرعة في التنفيذ، وشفافية في عرض الحصيلة، وجرأة في الاعتراف بالتعثر وتصحيحه. فإذا نجح الحزب في تحويل التزاماته إلى أثر ملموس في حياة المغاربة، فإنه سيكسب شيئاً أكبر من مقاعد انتخابية: سيكسب الثقة. أما إذا بقيت الوعود أكبر من الإنجازات، فقد يجد نفسه أمام نفس القاعدة التي أسقطت أحزاباً كبرى قبله: المواطن قد يمنح الفرصة، لكنه لا يمنح الثقة إلى لمن بوسعه أن يحدث أثرا في جيبه وواقع اليومي.
التعليقات
2آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
راي
اسماعيل
Le Maroc doit créer un micro système économique et énergétique locale indépendant des pays étrangers en se basant sur les moyens naturels et logistique qu'il possède parce que les années à venir vont être un peu dur
راي
اسماعيل
Pourquoi le Maroc ne crée t’il pas deux modèles économiques parallèles le premier est complètement local et le deuxième en interaction avec l'étranger