يُمثل تصويت المملكة المغربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد مشروع القرار الداعي إلى رفع الحصار الأمريكي المفروض على كوبا منعطفاً استراتيجياً بالغ الدلالة، يعكس نضج العقيدة الدبلوماسية المغربية وتحولها الصريح نحو "الواقعية السياسية الحازمة" (Realpolitik)، والقطع النهائي مع سياسات المجاملة التقليدية أو التموقع في "المناطق الرمادية".
فمن الناحية الاستراتيجية، يترجم هذا الموقف تفعيلاً ميدانياً وصارماً للمحدد الدبلوماسي الأسمى الذي رسخه جلالة الملك محمد السادس، والذي جعل من ملف الصحراء المغربية النظارة الحصرية التي تقيس بها الرباط صدق الصداقات ونجاعة التحالفات الدولية. فنظام هافانا، الذي ظل لعقود طويلة وفياً لنهجه الأيديولوجي في احتضان ودعم أطروحة الانفصال وتدريب عناصر ميليشيات البوليساريو، لم يتلقف الرسائل الإيجابية ومبادرات حسن النية المتكررة التي قدمتها الرباط — بدءاً من استئناف العلاقات الدبلوماسية سنة 2017 بعد قطيعة استمرت نحو أربعة عقود، وصولاً إلى التصويت الإيجابي والامتناع في محطات أممية سابقة؛ بل واصل استهدافه للسيادة الوطنية للمملكة في مختلف المحافل الإقليمية والقارية. ومن هنا، جاء الرد المغربي الحاسم ليكرس مبدأ "المعاملة بالمثل": إذ لا يُعقل أخلاقياً ولا استراتيجياً أن تمنح الرباط شريان نجاة دبلوماسي لنظام لم يتردد يوماً في مناصبة مصالحها الوجودية العداء.
وعلى مستوى التوازنات الدولية الكبرى، يعكس انضمام المغرب إلى جبهة المعارضة الصريحة بجانب الولايات المتحدة الأمريكية وشركاء دوليين وازنين وفاءً استراتيجياً عميقاً للتحالف التاريخي والمتين مع واشنطن، خاصة وأن الإدارة الأمريكية الحالية تُعد صاحبة الموقف التاريخي الحاسم في الاعتراف الصريح والكامل بمغربية الصحراء. ويأتي هذا التنسيق المتقدم ليؤسس لجبهة دبلوماسية متراصة في أروقة الأمم المتحدة، تقطع مع التناقضات السابقة؛ فالدولة الحليفة التي تدعم مغربية الصحراء وتقود مساعي تكريس مبادرة الحكم الذاتي كحل حصري في مجلس الأمن، تجد في المغرب شريكاً موثوقاً يبادلها المواقف الصلبة في القضايا ذات الحساسية الجيوسياسية، رافضاً منطق الازدواجية والتسويات الهشة.
إن هذا التحول — الذي سبقه رفض الرباط نقاشات إجرائية وتمويلات سابقة لصالح هافانا — يبعث برسالة تتجاوز حدود العاصمة الكوبية لتصل إلى كل الفواعل الإقليمية والدولية: المغرب ليس جمعية خيرية توزع المواقف الدبلوماسية بالمجان، وعقيدة الدبلوماسية الوطنية لم تعد تترك أي هامش للالتباس؛ فالشركاء الذين يحترمون السيادة الترابية يجدون سنداً استراتيجياً متيناً، أما الأنظمة التي تصر على استهداف الوحدة الوطنية، فإن مصالحها ستصطدم دائماً بجدار الردع والصرامة الدبلوماسية للمملكة.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.