مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، المصادفة يوم الثلاثاء المقبل بالمغرب، يتجدد كل سنة النقاش الفقهي والمجتمعي حول حكم الاحتفال بهذه المناسبة، بين من يعتبره مظهرا مشروعا لتعظيم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن يراه بدعة لا أصل لها في الدين، على اعتبار أن عيدي المسلمين الوحيدين المعروفين هما الفطر والأضحى.
يستند المؤيدون لمشروعية الاحتفال بالمولد النبوي إلى جملة من الاجتهادات الفقهية التي ترى أن البدعة ليست كلها مذمومة، بل تنقسم إلى أحكام خمسة كما نص عليها علماء المذاهب الأربعة، منها ما هو واجب أو مندوب أو مباح، وليس محرما بالضرورة. ومن أبرز من تبنى هذا الطرح الإمام السيوطي، الذي اعتبر الاحتفال بالمولد "بدعة حسنة" ينبغي معها إظهار الفرح والشكر بهذه المناسبة.
كما يستشهد أصحاب هذا الرأي بأقوال لعدد من كبار الفقهاء عبر التاريخ، من بينهم الإمام أبو شامة، شيخ الإمام النووي، الذي اعتبر إحياء ذكرى المولد بالصدقات وإظهار الزينة والسرور من "أحسن ما ابتُدع"، لما فيه من إحسان للفقراء وتعبير عن محبة النبي وتعظيمه وشكر الله على إرساله. وفي السياق نفسه، ذهب ابن تيمية نفسه، رغم تشدده المعروف في مسائل البدع، إلى القول إن تعظيم المولد قد يكون فيه أجر عظيم لصاحبه "لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله".
ويشير المؤيدون أيضا إلى أن أول من احتفل بالمولد النبوي بشكل رسمي هو الملك المظفر أبو سعيد كوكبري، صاحب إربل في القرن السابع الهجري، والذي وصفه ابن كثير في "البداية والنهاية" بأنه كان "شهما شجاعا عالما عادلا"، منوها بحسن سيرته وحفاوته الكبيرة بهذه المناسبة، في مؤشر، من وجهة نظرهم، على أن العلماء المعاصرين له لم يستنكروا هذا الفعل بشكل قاطع.
في المقابل، يرى المعارضون، ومن أبرزهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين ضمن المدرسة السلفية، أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة لا أصل لها في الدين، مستدلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم يحتفل بمولده خلال حياته، ولم يرشد أمته إلى ذلك، كما لم يفعله أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله عنهم، ولا أي من الصحابة، ولا في القرون الثلاثة الأولى المفضلة، معتبرين أن هذا الاحتفال إنما "أحدثه الرافضة، ثم تبعهم بعض المنتسبين للسنة" قبل أن ينتشر لاحقا.
ويتساءل أصحاب هذا الرأي: "أين الرسول صلى الله عليه وسلم منه؟ لماذا لم يقم عيدا لمولده؟ أين الخلفاء الراشدون؟ أين الصحابة؟"، معتبرين أن غياب هذه الممارسة عن الجيل الأول، رغم توفر الدافع لفعلها من محبة للنبي، دليل على أنها ليست من الدين في شيء. كما يحذر هؤلاء من أن كثيرا من الاحتفالات الفعلية بالمولد قد تختلط فيها ممارسات يعتبرونها منكرة، كاختلاط الرجال بالنساء أو استعمال المعازف، أو حتى الغلو في مدح النبي بما يقارب - في نظرهم - ما وقع فيه النصارى تجاه سيدنا عيسى عليه السلام.
وبين هذين الموقفين، تنقل بعض الجهات الدينية الرسمية، على غرار دار الإفتاء المصرية، أن جمهور العلماء عبر التاريخ أجازوا الاحتفال بالمولد النبوي بصيغته المجردة من المخالفات الشرعية، معتبرين الخلاف قائما أساسا حول تفاصيل طريقة الاحتفال وما قد يصاحبها من ممارسات، أكثر من كونه خلافا حول مشروعية أصل تعظيم ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي المغرب تحديدا، يحظى الاحتفال بذكرى المولد النبوي بطابع رسمي راسخ، إذ تحيي المؤسسة الدينية الرسمية هذه المناسبة سنويا عبر حفل "الليلة الدينية" الذي يشرف عليه أمير المؤمنين، إلى جانب إحياء "الحضرات" الصوفية التقليدية في مختلف المساجد والزوايا بالمملكة، في انسجام مع المرجعية الدينية المالكية الأشعرية التي تتبناها الدولة، والتي تجيز هذا النوع من الاحتفالات ضمن ضوابط شرعية معينة.
ويبقى هذا الملف، رغم تجدد النقاش حوله كل سنة، من القضايا التي لم تحسم فيها الأمة الإسلامية موقفا موحدا، وسط استمرار التباين بين المدارس الفقهية المختلفة، لكل منها أدلتها واجتهاداتها الخاصة.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.