تطوان: البناية التاريخية المنهارة رمز لانهيار المشروع الحضاري للمدينة على يد البكوري

قضايا المجتمع

2 ساعات 42 دقيقة مضت

أخبارنا المغربية - بدر اعليلوش

تطوان: البناية التاريخية المنهارة رمز لانهيار المشروع الحضاري للمدينة على يد البكوري

لم يكن انهيار مقر جماعة تطوان التاريخي هذا الصباح مجرد حادث عمراني عابر، ولا مجرد واقعة تقنية يمكن المرور عليها بوصفها خللا في الصيانة أو نتيجة لتساقطات مطرية أو تآكل في الدعامات. إن ما وقع، في عمقه، هو صورة مكثفة لوضع مؤسساتي مترد راكمته سنوات من التدبير المرتبك، وتداخل الاختصاصات، وغياب الرؤية الاستباقية، وتكرار الحلول الترقيعية في ملفات حيوية تمس الحياة اليومية للساكنة وحقها في خدمة عمومية لائقة. وحين تسقط بناية الجماعة نفسها، وهي بناية تراثية يفترض أن تكون رمزا للذاكرة والاستمرارية، فإن السؤال لا يعود فقط: كيف انهارت؟ بل: كيف وصلت الجماعة إلى هذا المستوى من العجز حتى صار رمزها العمراني شاهدا على انهيار أوسع في وظيفة المؤسسة ذاتها؟

جماعة تطوان، بمقتضى القانون، ليست مجرد جهاز إداري لتوقيع المراسلات وتدبير الشكليات، بل هي مؤسسة منتخبة مناط بها، في حدود اختصاصاتها، القيام بخدمات القرب، وعلى رأسها الإنارة العمومية، والنقل الحضري، وصيانة الطرق، والتطهير، والنظافة، والتأهيل السياحي للمعالم التاريخية، فضلا عن المساهمة في إنعاش الاقتصاد المحلي وحماية التراث وتنميته. غير أن الوقائع المتراكمة في تطوان توحي بأن الجماعة لم تنهض بهذه الاختصاصات كما ينبغي، بل بدت في كثير من الملفات وكأنها تكتفي برد الفعل بعد وقوع الأزمة، بدل أن تستبقها بخطة واضحة وبرنامج عملي محكم.

في ملف الإنارة العمومية، تكشف الشكايات المتكررة عن أعمدة كهربائية بأسلاك مكشوفة، وأزقة غارقة في الظلام، ومخاطر مباشرة تهدد المارة والأطفال والتلاميذ، في مخالفة واضحة لواجب الجماعة في توفير خدمة آمنة ومستقرة. فالإنارة العمومية ليست ترفا بل مرفقا حيويا يرتبط بالسلامة العامة، وأي تأخر في إصلاح أعطابها يفضح ضعف منظومة التتبع والصيانة، ويعكس غياب الصرامة في مراقبة الشركات المفوضة أو المصالح التقنية المختصة.

أما في ما يخص الطرق، فإن المشهد لا يقل سوءا. ففي الماضي كانت أحياء مثل طابولة واللوزيين تعاني وتتعرض من حين لآخر لحفر وتشققات ومسالك متآكلة، أما الان فالحفر غزت شوارع المدينة كلها، وحيها الإداري الراقي نفسه، وصار التنقل اليومي إلى العمل والمدرسة والمستشفى تحديًا يوميًا. واللافت أن التدخلات غالبًا ما تأتي متأخرة، وبأمر من السلطة الإدارية، وبصيغ ترميم مؤقتة، بدل تصور شامل لصيانة الطرق والمسالك الجماعية كما تفرضه الاختصاصات الذاتية والمشتركة للجماعة. فكيف يمكن لجماعة يفترض أن تشرف على بناء وصيانة الطرق أن تظل عاجزة عن ضمان مسالك تحفظ كرامة الساكنة وسلامة تنقلها؟

وفي النقل الحضري، تبلغ الأزمة مستوى أكثر خطورة. فالتجربة التي تعاقبت عليها شركات متعددة، من دون استقرار ولا تقييم شفاف ولا محاسبة واضحة، جعلت المرفق يبدو كأنه يسير بمنطق التسيير اليومي لا بمنطق السياسة العمومية. التمديدات المتكررة، وتعطل الحافلات، وتقادم الأسطول، وغياب الولوج المنتظم إلى الأحياء، كلها مؤشرات على اختناق تدبيري حقيقي. والنقل الحضري، بحسب القانون، من صميم اختصاصات الجماعة في مجال الخدمات الجماعية، لأنه يمس حرية التنقل، والحق في الولوج إلى الشغل والتعليم، ويشكل أحد أعمدة العدالة المجالية داخل المدينة. وعندما يتحول هذا المرفق إلى عنوان للارتباك، فإن ذلك يعني أن الجماعة لم تعد تسيّر الخدمة، بل تدار بها الأزمة.

ثم تأتي النظافة لتكمل الصورة. فقد كشفت أزمة مطرح “صدينة للبيئة” وما رافقها من احتجاجات العمال وتأخر الأجور، عن هشاشة التدبير داخل منظومة معقدة تجمع جماعة تطوان بمجموعة الجماعات وشركات التدبير. والنتيجة كانت تراكم الأزبال في أحياء متعددة، وتضرر صورة المدينة، واهتزاز الثقة في قدرة المؤسسات على حماية حق المواطنين في بيئة سليمة. والنظافة، وفق الاختصاصات المنصوص عليها قانونا، ليست مجرد جمع للنفايات، بل منظومة متكاملة تتعلق بالتدبير، والرقابة، والاستمرارية، وحماية الحقوق الاجتماعية للعاملين، لأن انهيار هذا المرفق لا يضر بالمجال فقط، بل يضرب أسس العيش المشترك داخل المدينة.

وعندما ننتقل إلى ملف التراث، نجد أن الأزمة تصبح أكثر رمزية وأشد إيلاما. فالمفارقة الفادحة أن مدينة تطوان، المصنفة تراثا عالميا، والتي خضعت مؤخرا لتقييد مدينتها العتيقة كأثر وطني (2025)، تشهد في الوقت نفسه ارتباكا في تدبير معالمها وفضاءاتها التاريخية. 

فمن المحطة الطرقية القديمة إلى مشروع “الجامعة الثقافية”، ومن حي الإنسانشي إلى جنان حصار، ومن ساحة الجلاء إلى ممر دار الراعي، نرى تنازعا بين خطاب رسمي يتحدث عن التثمين الثقافي، وواقع ميداني يشي بالإهمال أو بالتدخلات غير المنسجمة مع هوية المكان. وهنا تصبح مسؤولية الجماعة مضاعفة، لأنها ليست فقط ملزمة بصيانة المرافق، بل ملزمة أيضا بالمحافظة على خصوصيات التراث الثقافي المحلي وتنميته، وعلى حماية المعالم التاريخية بالتنسيق مع الدولة، وهذا طبعا قبل أن ينهار مقرها التاريخي، الذي أعلن الفشل الذريع لجماعة البكوري.

ولا تكتمل صورة ما وصلت اليه تطوان، إلا بالحديث عن ما يخص الفساد والعزل، فإن الملف أشد دلالة. فقد ارتبط اسم مجلس تطوان، خلال هذه الولاية، بعدد من المنتخبين الذين صدرت في حقهم أحكام قضائية ثقيلة، بعضها نهائي، وبعضها انتهى إلى عزل أو حبس نافذ أو متابعات ذات صلة بالنصب، والتزوير، واستغلال النفوذ، وملفات مالية وأخلاقية. وهذه الوقائع، بصرف النظر عن تفاصيل كل حالة، تشكل قرينة قوية على اختلال عميق في آليات الترشيح والانتداب والتزكية والحكامة الداخلية. فإذا كان القانون يربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن استمرار الوجوه المدانة داخل المشهد السياسي المحلي، أو تمثيل الجماعة في لقاءات رسمية من طرف أشخاص عليهم سوابق قضائية، لا يسيء فقط إلى صورة المجلس، بل يضرب الثقة العامة في السياسة نفسها.

لهذا كله، لا يبدو انهيار مقر الجماعة اليوم حدثا معماريا فحسب، بل خاتمة رمزية لمسار طويل من التراكمات: أعطاب في الإنارة، خلل في الطرق، ارتباك في النقل، أزمة في النظافة، اختلال في التمثيلية، وتراخ في حماية التراث. إنها صورة مدينة تدار بالأزمات لا بالرؤية، وترمم عند الانهيار لا قبل الانهيار، وتستدعى لها الحلول بعد أن يكون الضرر قد وقع.

إن ما وقع في مقر جماعة تطوان ينبغي أن يُقرأ كإنذار سياسي ومؤسساتي، لا كحادث معزول. فالجماعة التي لا تستطيع أن تصون بنايتها التاريخية، ولا أن تضمن الإنارة في أحيائها، ولا أن تؤمن النقل والنظافة والطرق، لا يمكنها أن تدعي النهوض بصلاحياتها كما رسمها القانون. وما لم تقع مراجعة جذرية لمنطق التدبير، ومساءلة حقيقية للمسؤوليات، وإعادة بناء الثقة مع الساكنة، فإن الانهيار لن يكون في الحجر وحده، بل في المعنى نفسه : معنى الجماعة، ومعنى التمثيل، ومعنى السياسة المحلية في تطوان.

مجموع المشاهدات: 341 |  مشاركة في:
        

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟