"شي معيد وشي لا".. كيف تحول غلاء الأضاحي إلى "شرخ اجتماعي" يهدد الطمأنينة النفسية للأسر المغربية؟
أخبارنا المغربية - محمد سمير
في وقت غادر فيه المصلون باحات المصليات بعد انقضاء صلاة عيد الأضحى المبارك، اصطدمت بهجة العيد هذا العام بـ"واقع إجتماعي مرير" فرضه الغلاء القياسي لأسعار الأضاحي، والذي نقل النقاش من التبريرات الاقتصادية ليرخي بظلاله على بيوت المغاربة في هذه الأثناء، مختزَلاً في العبارة الشعبية الدارجة: "هاد العام شي معيد وشي لا".
ويرى فاعلون جمعويون أن هذا الانقسام الطبقي الحاد صدم المجتمع في مناسبة دينية طالما شكلت رمزاً للتكافل، قبل أن تحولها مضاربات الأسواق وجشع "الشناقة" إلى آلية للفرز الاجتماعي والشعور بالإقصاء والدونية لدى فئات واسعة.
ولطالما كان يوم العيد في المغرب مناسبة تذوب فيها الفوارق المجتمعية؛ حيث كان يحرص الجيران والمحيط العائلي على ألا تمر هذه الأجواء وفي الحي أسرة محرومة.
غير أن حدة الغلاء الصادمة التي طبعت الأسواق، أضعفت بشكل واضح قدرة المجتمع التلقائية على التضامن المعهود، مما عمّق الشرخ الاجتماعي اليوم، وترك عائلات بأكملها في مواجهة العزلة والانكسار أمام محيطها، ليفقد العيد عند فئات واسعة جوهره الروحي التعبدي، ويتحول إلى واجهة اجتماعية قاسية ومقياس زائف للمكانة والجاه داخل الحي.
ولم يعد هذا الوضع حكراً على الفئات الهشة والمياومة فحسب، بل امتدت نيرانه لتلتهم الأسر المتوسطة التي وجدت نفسها عاجزة أمام لهيب "الشناقة" واشتعال البورصة؛ حيث تجاوزت أثمنة الخرفان المتوسطة العادية عتبة 5000 و6000 درهم، وهو رقم فلكي يصعب تحمله دون الإخلال بالتوازنات المالية للشهر بأكمله.
وزاد من قتامة المشهد خيبة الأمل الصادمة التي تلقاها المواطنون الذين كانوا يعولون على "الأيام الأخيرة" وساعات الحسم ليلة العيد، على أمل انخفاض الأسعار والشراء بأثمنة مناسبة؛ إذ اصطدم هؤلاء بارتفاعات إضافية جنونية، بل وبـاختفاء شبه تام للخرفان من الأسواق والرحبات التي شهدت إنزالاً بشرياً غير مسبوق، حتى أضحى "الناس أكثر من الخرفان" في مشهد غريب عكس ضعف العرض وحجم المضاربة.
وتتجلى كبرى مآسي هذا الوضع المعيش حالياً داخل الفضاء الأسري؛ حيث يجد الآباء من الطبقات الضعيفة والمتوسطة أنفسهم تحت ضغط نفسي رهيب وهم يواجهون أسئلة ونظرات أطفالهم الصغار الذين لا يفقهون لغة التضخم والقدرة الشرائية، ولا يدركون سوى غياب الفرحة عن بيتهم مقارنة بأقرانهم.
هذا الضغط النفسي الحاد هو ما دفع فئات واسعة، طيلة الأيام الماضية، إلى الارتماء في أحضان القروض الاستهلاكية، أو التضحية بأثاث البيت ومستلزماته لتدبير ثمن الأضحية وتفادي ما يصفونه بـ"الشوهة" الاجتماعية وصدمة الأبناء؛ وهو سيناريو يُنذر، خلف كواليس بهجة العيد المؤقتة، بتفجير خلافات زوجية حادة وإنهاك للاستقرار المالي والنفسي لآلاف الأسر المغربية لشهور طويلة بعد أن يرحل العيد.
