الرزاقي بعد تعديلات الغرفة الثانية: قوى التحكم تريد تحويل المحامي من حامٍ للحريات إلى "تاجر أتعاب"
بقلم: الأستاذ سفيان الرزاقي/ محام بهيئة تطوان
يرتبط تاريخ المغرب الحديث، في محطاته الكبرى، بصوت البذلة السوداء؛ ذلك الصوت الذي لم يكن يوما مجرد صدى لخصومات عابرة في ردهات المحاكم، بل كان على الدوام صمام أمان حقوقي، وجداراً سميكاً تكسرت عليه كل محاولات التغول والارتداد عن الخيار الديمقراطي. ولعل هذا السجل التاريخي الحافل هو ما يجعلنا اليوم ننظر ببالغ القلق والوجل للتعديلات الأخيرة التي مررتها لجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين على مشروع قانون مهنة المحاماة. إنها تعديلات لم تأتِ لتطوير النص أو سد ثغراته، بل تبدو في عمقها ومآلاتها كمعول هدم يستهدف تفكيك المكتسبات التاريخية التي كرسها ظهير 1993، والتي حرصت الدولة، عبر عقود، على تحصينها لضمان استقلالية القضاء والدفاع على حد سواء.
●تراجع مشبوه عن التخليق
إن أولى الهزات الارتدادية التي حملتها رياح الغرفة الثانية، تتمثل في ذلك التراجع المقلق عن شروط التخليق والنزاهة للولوج إلى المهنة. ففي الوقت الذي استبشر فيه الجسم المهني خيرا بالمادة 11 كما أحيلت من مجلس النواب، والتي كانت تضع خطاً أحمر أمام كل من توبع أو أُدين في جرائم الأموال والتزوير، صدم المستشارون الجميع بالتشطيب على هذا المقتضى التحصيني.
وهنا يتساءل المرء، بأي منطق سياسي أو أخلاقي يتم إسقاط مادة تمنع الفساد وتطرد الشبهات عن مهنة النبل؟ أليس في هذا التراجع تزكية مبطنة وتكريس للفساد المهني، وضبابية تضرب في الصميم كل الشعارات الرنانة التي ترفعها الحكومة حول حماية المال العام وتخليق الحياة العامة؟ إن فتح أبواب المحاماة لمن دارت في فلكه أحكام قضائية نهائية بجرائم الأموال، هو طعنة في ظهر العدالة قبل أن يكون طعنة للمهنة.
●مخطط "تجفيف المنابع" لضرب الاستقلالية المالية للهيئات
ولم تقف رغبة "التدجين" عند حدود شروط الولوج، بل امتدت لتطال "الاستقلالية المالية" للهيئات، وهي القلعة التي طالما ضمنت للمحامين اتخاذ مواقفهم بكل حرية ودون خضوع لأي ابتزاز مؤسساتي. فالخطوة التي أقدمت عليها اللجنة بمنع الاقتطاعات من حسابات الودائع المودعة لدى الهيئات، لا يمكن قراءتها إلا كخطة ممنهجة لـ"تجفيف المنابع" المالية التي تتغذى منها التعاضدية العامة وصناديق التكافل الاجتماعي والتضامن بين الزملاء.
إن هذه الصناديق، التي أثبتت جدارتها الإنسانية ودعمت صندوق كوفيد-19 بملايين الدراهم، لم تكن يوما تقتطع من أموال الموكلين، بل هي ترتيب تضامني داخلي صرف بين المحامين. وبالتالي، فإن التدخل التشريعي لخنق هذه الصناديق يحمل خلفية تحكمية واضحة، تروم إضعاف البُعد التضامني وتحويل المجالس المهنية إلى كيانات عاجزة ماليا، تمهيدا للتحكم فيها اقتصاديا واجتماعيا.
●إقبار البعد الحقوقي.. ومسخ المحاماة إلى "مهنة تجارية"
أما الطامة الكبرى التي تكشف النوايا الحقيقية وراء هذه التعديلات، فهي محاولة إفراغ المحاماة من حمولتها الكونية وحصرها في بعد تجاري مادي ضيق. فكيف يمكن لعاقل أن يستوعب حذف مقتضى المادة 8 الذي يربط عمل الدفاع بـ"حسن تطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات"؟ إن هذا الحذف المثير للريبة يعكس رغبة جامحة في تحويل المحامي من فاعل حقوقي يسعى لإقرار العدالة وصون كرامة المواطن، إلى مجرد "تاجر أتعاب" يبحث عن الربح السريع في معزل عن أي مسؤولية مجتمعية أو حقوقية.
●نسف حصانة الدفاع وزرع بيئة الخوف داخل المحاكم
هذا المسخ القيمي للهوية البصرية والرسالة السامية للمحاماة، يمهد الطريق مباشرة للنيل من "حصانة الدفاع" عبر بوابة المادة 77، التي استبدلت مفهوم "عرقلة الجلسات" بعبارة مطاطية وفضفاضة هي "أي فعل يخل بنظام الجلسة"، ليصبح المحامي تحت رحمة تأويلات واسعة قد تحول قاعات المحاكم إلى بيئة يطغى عليها الخوف والوجل، وتجعل الدفاع يمارس مهامه مكبلا بالتبعية والتردد. إننا أمام منعطف تشريعي خطير يهدد بنسف المحاماة كرسالة استقلال.
