حسناء ومريم قررتا بعد أن فاتهما قطار الزواج، أن تتكفلا بأطفال يعوضون عنهن فراغ حياتهن ويؤنسون وحدتهن، ويمكنونهن من تحقيق حلمهن في الأمومة التي لم تتحقق لهن على أرض الواقع، برغم ما يحمله الأمر من عوائق وصعوبات لأن هذه الرغبة اصطدمت باعتراض ونظرة المجتمع التي تحمل في طياتها الكثير من الاتهامات المشككة في شرفهن، مادام محيطهن الاجتماعي يدعي أن الكفالة ليست سوى وسيلة للتستر على إنجابهن بطريقة غير شرعية.
عمت الفرحة منزلها الذي دخلته الحياة بعد أن كان يخيم عليه الصمت والسكون بحكم كونها تسكن فيه لوحدها، فرحة انبعثت من تحقيقها لحلمها في سماع كلمة ماما بالرغم من كونها لم يكتب لها أن تتزوج وتنجب كغيرها من النساء، بالتكفل بطفل تتخذه ونيسا لها في وحدتها.
أم رغما عن الجميع
فكرة حسناء بالتكفل بطفل لم تكن وليدة الصدفة، لكنها كانت حلمها منذ سنوات خلت حتى لو تزوجت وأنجبت، إلا أن القدر اختار لها أن لا تتزوج فقررت التكفل بطفل ورعايته، علها تجد فيه أنيسا لها وعونا في آخر أيام حياتها.
لم تكن حسناء تريد الطفل من أجل استغلاله في شيء ما ولكنها فكرت في ضرب عصفورين بحجر واحد، تربية الطفل ورعايته وحمايته من الضياع الذي قد يتعرض له نتيجة تخلي والديه الحقيقيين عنه، وكسب الأجر والثواب من خلال ما ستقوم به بما أنها ميسورة الحال.
اختيار حسناء وقرارها بالتكفل بأحد الأطفال لم تكن بالفكرة التي تروق لأهلها، بالرغم من كونها تسكن بمنزل مستقل عنهم بسبب ظروف عملها، لأن هذا الأمر سيجلب العار على الأسرة بكاملها، بل وسيكون سببا في عدم رغبة أي شخص في الارتباط بها.
قرار وجدت حسناء أنه يستحق عناء النضال من أجل تحقيقه، وتكبد المعاناة التي سببها لها المحيطون بها، والذين كانت رغبتهم استغلالها ماديا، لأنهم يرون أنهم الأحق بإحسانها مادامت لم تتمكن من الزواج والإنجاب.
تصميم حسناء على قرارها بالتكفل بطفل، خلق لها الكثير من المشاكل مع والديها، الذين رفضا بشكل قطعي تكفلها بالطفل، خوقا من اتهامات الناس بأنها والدته الحقيقية، وتجنبا لألسنتهم التي لا ترحم، خاصة أن المجتمع المغربي لا يتقبل أن تكون البنت أما وهي غير متزوجة.
لم يكن الأمر بالشيء الهين على حسناء التي لم تعر انتباهها لكلام الناس، ضاربة رأيهم فيها عرض الحائط، خاصة لكونها لم تعد تسكن في الحي الذي يسكن فيه والديها، وهذا الأمر هو الذي جعل الأقاويل تكثر عليها، حيث اعتقد الكثيرون أنها استغلت استقرارها في منزل مستقل، لتفعل ما تشاء.
هذه الحرية هي التي نتج عنها هذا الطفل الذي فكر الكثيرون أنها تدعي أنه تتكفل به للتستر على فعلتها، وتجنب الشبهات التي قد تحوم حولها، والتي تشكك في شرفها.
حسناء ذات الشخصية القوية لم تكترث لما يقال عنها في محيطها الاجتماعي، فالمهم بالنسبة لهاهو أن تحقق رغبتها في التكفل بطفل يونس وحدتها ويشغل وقتها في مستقبل الأيام، حتى لا تشعر بأهمية الاستقرار الذي حرمت منه حين لم تتزوج لأنها لم تجد ما تبحث عنه.
حققت المعادلة الصعبة
ظروف مريم الاجتماعية لا تختلف كثيرا عن ظروف حسناء، لكن منطلقها للتفكير في التكفل بطفلة ورغبتها في تحقيق هذا الحلم كان رفيقها منذ كانت مراهقة، حيث كانت تتمنى أن تتكفل برعياة طفلة متخلى عنها حتى وإن تزوجت وأنجبت أطفالا من زوجها.
شاءت الأقدار لمريم أن لا تتزوج، لكن ظروفها المادية المريحة جعلت الفكرة تلمع في مخيلتها، ويزيد تمسكها بها أكثر من ذي قبل، إلا أن خوفها من ردة فعل محيطها الاجتماعي جعلتها تؤخر تنفيذها.
عيش مريم في حي شعبي تحكمه العقلية الذكورية، وينشغل فيه الكل بالحياة الخاصة للذين يقطنون فيه، جعلها تفكر في الطريقة التي تتمكن بها من التكفل بفتاة دون أن يثير هذا الأمر انتباه الجيران الذين سيفكرون في أن هذه الطفلة من صلبها، وقامت باختراع فكرة الكفالة لتحويل الأنظار عنها.
بالرغم من السن المتقدمة لمريم التي تبلغ الأربعين سنة، واستقلالها المادي، إلا أنها لم تتمكن من ممارسة حريتها وتحقيق رغبتها في الأمرمة حتى وإن كانت عن طريق الكفالة، خوفا من نظرة المجتمع التي قد تضعها في خانة الأمهات العازبات بطريقة غير شرعي.
فكرت مريم طويلا في الطريقة التي تمكنها من تحقيق رغبتها في الأمومة بالتكفل بطفلة، بالإضافة إلى تجنب النظرة السلبية للمجتمع، وذلك من خلال الاستعانة بأختها، حيث اتفقت الأختان على أن تقوم الأخت المتزوجة بالتكفل بطفلة ورعايتها لمدة معينة، قبل أن تمنحها إياها لتعيش معها.
قامت الأخت الكبرى لمريم، بتنفيذ مخطط أختها الذي نجح حيث حصلت على طفلة بعد أن تخلت عليها أمها العازبة، وقامت بالتكفل بها لفترة زمنية تجاوزت العامين، لتمنحها لأختها غير المتزوجة التي أصبحت تعاملها كأم لها، حيث إن الطفلة تفتق وعيها عليها، وهي مقتنعة أنها والدتها الحقيقية.
استطاعت مريم تحقيق المعادلة الصعبة، بتحقيق حلمها الذي طالما دغدغ مشاعرها، منذ شبابها، بأقل الخسائر حيث حافظت على سمعتها، وتمكنت من تجنب اتهامات محيطها الاجتماعي لها، لأن الجميع صار يعرف أن الطفلة هي ابنة أختها التي تكفلت بها مساعدة لها.
مجيدة أبوالخيرات
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.