بوسحابة يكتب: بين ضجيج الرباط وصمت واشنطن.. سقطت أقنعة النفاق ومُرِغَتْ أنوفٌ في وحلِ الإهانةِ
أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
رحم الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي حين قال: "إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا". وكأن هذا البيت لم يعد مجرد حكمة شعرية، بل مفتاحًا لقراءة مشهد يتجاوز الأخلاق الفردية إلى سلوك جماعي بات يتكرر في بعض محيط كرة القدم الحديثة؛ حيث لا يُقابل الإحسان بالاعتراف، ولا يُقاس الفعل بوزنه الموضوعي، بل بانتمائه الجغرافي وبمزاج اللحظة.
ففي لحظة تُكرم فيها وفود وتُفتح فيها الملاعب وتُؤمَّن فيها التنقلات وتُقدَّم فيها تجربة تنظيمية متكاملة، تُرفع شعارات أحيانًا باسم "الانطباع" و"التحفظ" و"القراءة النقدية". ثم في لحظة أخرى، وعندما تتغير الجغرافيا وتنتقل نفس المنتخبات إلى فضاء مختلف، تُقبل شروط أشد صرامة، وأجواء أكثر قسوة، وإجراءات أمنية أكثر حدّة، بصمت تام يكاد يُفهم على أنه "طبيعي" أو "جزء من اللعبة". لا احتجاج، لا بيانات، لا ضجيج… وكأن الذاكرة التنظيمية تُعاد برمجتها حسب الوجهة لا حسب المبدأ.
هذه ليست مجرد مفارقة عابرة، بل ما يشبه ازدواجية كاملة في معيار الحكم، تصل أحيانًا إلى حدود الانقلاب في الموقف من النقيض إلى النقيض دون أي إحراج منطقي. فالمشهد نفسه الذي يُقدَّم في سياق ما على أنه "خلل تنظيمي" أو "ملاحظة أمنية"، يتحول في سياق آخر إلى "إجراء احترازي مشروع" لا يستحق حتى التعليق. وهنا بالضبط تتكشف ملامح ما يمكن وصفه بـ"اللا مجاملة" بأنه انقسام حاد في الوعي التقييمي، أو إن شئت عبارة أكثر دقة: سكيزوفرينيا خطابية في التعامل مع نفس الوقائع وفق هوية من يقدمها لا وفق طبيعتها.
وسط هذا التناقض الصارخ، تأتي تجربة المغرب خلال كأس إفريقيا للأمم الأخيرة التي نظمت بين أواخر دجنبر 2025 ونهاية يناير 2026 لتفرض نفسها كحالة تنظيمية خارجة عن المألوف داخل القارة. بطولة بشهادة الوقائع الميدانية، لا الانطباعات، وبشهادة تقارير إعلامية دولية وازنة وصفتها صراحة بأنها أقرب إلى "نسخة مونديالية" من حيث البنية التحتية، جودة الملاعب، صرامة التنظيم، وسلاسة تدبير مختلف التفاصيل اللوجستية من استقبال وتنقل وإقامة وتأمين.
لكن الغريب أن هذا المستوى الذي وُصف دوليًا بالاستثنائي لم يُواجَه دائمًا بنفس مستوى الاعتراف. بل رافقته في كثير من اللحظات موجات من الكعن والتنكر والتشكيك.. إلى جانب انتقائية "مقصودة" في القراءة، ركزت على تفاصيل معزولة، أو حوادث هامشية، أو انطباعات ظرفية، وكأن الهدف لم يكن تقييم بطولة، بل تفكيك نجاحها إلى نقاط قابلة للتأويل السلبي. في حين أن الصورة الكاملة، حين تُجمع عناصرها، كانت تشير في اتجاه واحد: تنظيم ارتقى فعليًا إلى سقف لم تعهده البطولة في تاريخها الكامل.
ثم تأتي المقارنة التي لا يمكن تجاهلها. فمع الانتقال إلى كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تنطلق المنافسات يوم 11 يونيو، واجهت منتخبات إفريقية، ومن بينها السنغال ومصر والجزائر، منظومة تنظيمية صارمة للغاية: تفتيش دقيق، مراقبة مشددة، بروتوكولات أمنية معقدة، ظروف تنقل محكومة بدقة عالية، وأحيانًا ظروف مناخية قاسية في التداريب والمباريات الودية تحت الشمس الحارقة أو في مساحات تدريب غير مثالية.
لكن هنا يحدث التحول اللافت: نفس المنتخبات التي ارتفع صوت بعضها تزامنا مع "كان المغرب"، اختارت الصمت الكامل والمطبق هنا. لا بيانات احتجاج، لا اعتراضات إعلامية حادة، لا تساؤلات علنية حول "ظروف الاستقبال" أو "طبيعة التنظيم". وكأن القسوة التنظيمية في الولايات المتحدة تُقرأ بمنطق مختلف تمامًا، أو كأن المعايير تُفعّل فقط عندما يكون المخاطَب جهة معينة، وتُعطَّل عندما يكون السياق مختلفًا.
الأكثر دلالة أن بعض تلك الأصوات التي لم تتردد في انتقاد أدق التفاصيل في التجربة المغربية، اختفت تمامًا أمام مشاهد أشد صرامة وأكثر قسوة رافقت مقامها في بلاد العم سام، دون أي تفسير أو مراجعة أو حتى اعتراف بتناقض الموقف. وهنا لا يعود السؤال تقنيًا أو رياضيًا فقط، بل يصبح سؤالًا عن طبيعة الخطاب نفسه: هل نحن أمام تقييم موضوعي للظروف، أم أمام انتقائية تتحكم فيها الخلفيات و الانطباعات المسبقة؟
إن المشكلة لا تكمن في اختلاف ظروف التنظيم بين بلد وآخر، فهذا أمر بديهي في عالم البطولات الكبرى، بل في تبدل ميزان الحكم على نفس النوع من الظروف حسب الجهة التي تقدمها. وهو ما يجعل المقارنة بين الرباط وواشنطن ليست مقارنة تنظيمية فقط، بل مقارنة في منطق التلقي ذاته: كيف يُنتج النقد هنا، ويُستبدل بالصمت هناك؟
في النهاية، لا يحتاج النجاح إلى تبرير، ولا يحتاج التنظيم الجيد إلى دفاع مستمر. لكن ما يحتاجه النقاش فعلًا هو قدر من الاتساق، لأن فقدان الاتساق أخطر من الخطأ نفسه؛ فهو يجعل الحقيقة قابلة للتبديل حسب المزاج، ويحوّل النقد من أداة تصحيح إلى أداة اصطفاف.
وبين كرم يُقابل بالإنكار، وصمت يُقابل بالتفهم، يبقى السؤال معلقًا: هل المشكلة في الواقع… أم في العيون التي ترى الواقع فقط حين تريد أن تراه؟ أو بصيغة أخرى هل أخطأنا التقدير حينما تعاملنا مع ضيوفنا بأخلاق الملوك؟ أم أن العيب في الضفادع لا ترتاح إلى في المياه الضحلة حتى لو وضعتها في بيت من ذهب؟
