في وقت كانت فيه ألسنة اللهب تلتهم الأخضر واليابس في ولايات الشمال والشرق الجزائري، وتحول ريف جيجل وبجاية والطارف إلى مشاهد مروعة من الدخان والدمار ومشاهد الدفن الجماعي للضحايا، اختار الإعلام الرسمي الجزائري الهروب إلى الأمام وممارسة طقوسه المألوفة في التضليل، متجاهلاً المأساة الإنسانية الخانقة التي يعيشها المواطنون في قلب خط النار.
وبدل أن تفتح القنوات والنشرات الرسمية شاشاتها لتقديم إرشادات النجاة وتغطية عمليات الإغاثة الغائبة ومساندة مئات العائلات المحاصرة داخل القرى الجبلية، انشغلت الآلة الدعائية للنظام بنبش المنصات والمواقع المغربية وسرقة مقاطع فيديو تتعلق بعمليات روتينية لهدم البناء العشوائي، لإعادة تدوير الأسطوانة المستهلكة ذاتها حول "المغرب والمخزن والأجندة الخارجية"، في مشهد يعكس حالة انفصال تام عن الواقع وعن أولويات اللحظة الحرجة.
وتفضح هذه البروباغندا الموجهة رغبة واضحة في التعتيم على الإخفاق الهيكلي والعجز الميداني عن تطويق الكارثة؛ إذ يظهر التناقض الصارخ بين دولة تتباهى بإنفاق عسكري فلكي وتدعي الجاهزية الإقليمية، وبين واقع ميداني يفتقر لأبسط شروط الإنذار المبكر ومراكز الإطفاء المتقدمة، ويفشل في حماية مئات الآلاف من القرويين الذين تُركوا يواجهون مصيرهم بوسائل بدائية، وسط رفض متعنت لطلب الدعم الجوي الدولي أو الإقرار بحجم الخسائر الحقيقية.
إن اللجوء الدائم إلى شماعة المغرب كلما اشتدت الأزمات الداخلية في الجزائر لم يعد مجرد خطاب سياسي مأزوم، بل بات أسلوباً مكشوفاً لمحاولة امتصاص الصدمة وحرف أنظار الشارع عن المحاسبة والمسؤولية؛ فالنيران المشتعلة في الغابات والمداشر لا يمكن إطفاؤها ببيانات العداء ولا بالمعارك الوهمية، في وقت تظل فيه الحقيقة الوحيدة الصادمة هي تفضيل التعتيم الإيديولوجي على كرامة وأرواح المواطنين المنكوبين.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.