تكشف المشاهد الصادمة القادمة من بؤر الحرائق في الشمال والشرق الجزائري حجم التضليل الممنهج الذي تمارسه السلطات الرسمية؛ فبينما تصر الرواية الحكومية على تجميد الحصيلة عند رقم رمزي لا يتجاوز 12 وفاة، توثق الصور الميدانية خنادق طويلة لدفن جماعي في مقبرة واحدة تضم عشرات النعوش المتراصة، ما يسقط بشكل قاطع جدار الصمت المفروض على الكارثة.
إن لجوء السلطات إلى أسلوب الدفن السريع، وتسجيل جثامين المتفحمين تحت أرقام صامتة بدلاً من أسمائهم وهوياتهم، لا يعكس فقط حالة الاختناق اللوجستي التي أصابت مستودعات حفظ الأموات، بل يترجم رغبة سياسية وأمنية واضحة في الإغلاق القسري للملف؛ وذلك لتجريد الفاجعة من بعدها الإنساني وتفادي إعلان حداد وطني يُلزم الدولة بالاعتراف بمسؤوليتها المباشرة عن الإخفاق.
وتفضح هذه القبور الجماعية زيف الخطاب الرسمي الذي حاول اختزال فاجعة أحرقت قرى بأكملها في بضعة أفراد؛ فالتقاطعات الميدانية وشهادات الأسر المفجوعة في جيجل وبجاية تؤكد أن أعداد القتلى والمفقودين تتجاوز بأضعاف مضاعفة ما يُصرح به، في وقت فُرضت فيه تعليمات صارمة على المؤسسات الصحية والإعلامية لمنع أي توثيق مستقل أو مواكبة ميدانية للمأساة.
إن التستر على الأرقام الحقيقية للضحايا لم يعد مجرد ارتباك إداري في تدبير الأزمات، بل تحول إلى هروب ممنهج من المحاسبة عن غياب وسائل الإنقاذ والإنذار المبكر وضعف الجاهزية الوقائية؛ فحين تعجز منظومة الحكم عن حماية مواطنيها في مواجهة النيران، تختار مصادرة حتى حقهم في الاعتراف بموتهم ووداعهم بكرامة تليق بإنسانيتهم.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.