القائمة الرئيسية
أخبارنا

الجيش الجزائري في النيجر.. هل تتحول ماداما إلى أفغانستان جديدة؟

الجيش الجزائري في النيجر.. هل تتحول ماداما إلى أفغانستان جديدة؟

يشكل قرار البرلمان الجزائري في 25 أكتوبر 2026 الترخيص بإرسال وحدات من الجيش إلى النيجر منعطفا استراتيجيا غير مسبوق، فهو أول تفعيل عملي للمادة 91 من دستور 2020 التي تجيز استخدام القوة خارج الحدود، وخروج صريح عن عقيدة عدم التدخل التي حكمت المؤسسة العسكرية لعقود. ويأتي القرار في لحظة إعادة توزيع عميقة لنفوذ الساحل، حيث تبرر الجزائر خطوتها بحماية مصالح سوناطراك ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء عبر تمركز مرتقب في قاعدة ماداما شمال النيجر، في وقت يتقدم فيه منافسون بأدوات مغايرة تماما.

الدكتور الشرقاوي الروداني يرى في قراءته التحليلية التي قدمها لموقع أخبارنا، أن جوهر التحول لا يكمن في النص القانوني بل في وظائف القوة على الأرض. فالصحراء حسب الروداني ليست مساحة فارغة تضبط بقاعدة عسكرية، بل فضاء تتداخل فيه شبكات اجتماعية وتجارية ومسلحة، وحماية منشأة واحدة ستستدعي تأمين محيطها ثم مراقبة ممراتها ثم التصدي للتهديدات المتحركة، لتتحول نقطة الانطلاق إلى سلسلة التزامات متصاعدة. ومن هنا يصف الروداني المشروع الجزائري بمحاولة بناء حزام تأثير أمني لإعادة تثبيت الجزائر كمرجعية في الساحل، قد يتحول إلى عبء حين تتوسع الالتزامات أسرع من القدرة على إدارتها.

ويضع الشرقاوي الروداني هذا التحرك في سياق تنازع المرجعيات الأمنية في المنطقة، مذكرا بأن الجزائر سعت لتثبيت موقعها عبر لجنة الأركان العملياتية المشتركة في تمنراست سنة 2010 لكنها واجهت أطرا منافسة مثل مجموعة دول الساحل الخمس وقوتها المشتركة المدعومة فرنسيا، ثم انهيار اتفاق الجزائر لشمال مالي في 2024. ويلفت الروداني إلى تزامن كاشف، ففي نفس يوم القرار الجزائري وقعت الإمارات وبنين اتفاق شراكة اقتصادية شاملة، وبنين هي البوابة البحرية للنيجر، وهو ما يكشف حسب تحليله اختلافا في أدوات النفوذ، فالجزائر تتجه للقدرة الأمنية في العمق الصحراوي، بينما يتقدم المغرب عبر المبادرة الأطلسية والربط الاقتصادي وتوفير منافذ بحرية، وتتوسع أبوظبي عبر الموانئ واللوجستيك، في مجال تسعى حكوماته لتنويع الحلفاء.

ويفصل الدكتور الشرقاوي الروداني في قراءته جذور الإرهاب الساحلي وارتباطها المباشر بالجماعات الأم في الجزائر، مؤكدا أن الجزائر لا تستطيع مقاربة التهديد كظاهرة منفصلة عن تاريخها الأمني، فالجماعة الإسلامية المسلحة انشقت عنها الجماعة السلفية للدعوة والقتال سنة 1998 قبل تحولها بقيادة عبد المالك دروكدال إلى القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي سنة 2007، ومن رحمها برزت كتائب صحراوية بقيادة مختار بلمختار وعبد الحميد أبو زيد ربطت شمال مالي بالجزائر والنيجر عبر التهريب والاختطاف. ويشير الروداني إلى أن انتقال هذه الشبكات لم يكن مجرد حركة مقاتلين بل انتقال للخبرة التنظيمية وأساليب التمويل وبناء التحالفات، وهو ما يطرح حسب تحليله حدود قدرة الأجهزة الجزائرية رغم معرفتها التاريخية بهذه القيادات. ويستحضر الروداني حالتي إياد أغ غالي الذي وثقت لجنة عقوبات مجلس الأمن تلقيه 400 ألف يورو من كتيبة طارق بن زياد قبل تأسيسه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مارس 2017، وعدنان أبو وليد الصحراوي الذي انتقل من حركة التوحيد والجهاد إلى مبايعة داعش سنة 2015 مؤسسا تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى صاحب كمين تونغو تونغو في 4 أكتوبر 2017 غرب النيجر الذي قتل فيه أربعة أمريكيين رغم بعد المسافة 1460 كلم عن قاعدة ماداما، ليخلص الروداني إلى أن الجزائر أمام معضلة مزدوجة، توسيع حضورها في منطقة تعرف جذور تنظيماتها لكنها تواجه شبكات أعادت تشكيل نفسها خارج قدرتها على التحكم.

ويخلص الشرقاوي الروداني إلى ما يسميه معضلة العمق الأمني المعكوس وهل تصبح النيجر أفغانستان الجيش الجزائري، مستحضرا دروس التجربتين السوفياتية والأمريكية حيث تحول التفوق العسكري إلى عبء عندما تجاوزت الالتزامات الميدانية الأهداف السياسية. ويحذر من أن الدولة التي تنقل خطوط دفاعها نحو الجوار قد تنقل هشاشة ذلك الجوار إلى منظومتها الأمنية، ويتحول النفوذ من مصدر لحرية المناورة إلى عامل يقيدها لأن التراجع سيفسر كتراجع في المكانة.

ويرى الدكتور الشرقاوي الروداني في ختام قراءته أن أخطر ما قد يواجه الساحل ليس ظهور قوة عسكرية إضافية بل ترسيخ معادلة يصبح فيها أمن كل دولة مرتبطا بتمدد قوة أخرى، فحين تصبح القواعد العسكرية أداة لتنظيم العلاقات وتتقدم منطق التمركز على منطق التعاون، تتحول الجغرافيا المشتركة من مجال للتكامل الاستراتيجي إلى مسرح دائم لإعادة عسكرة الساحل وإعادة إنتاج الأزمات، مع أسئلة مفتوحة يطرحها الروداني عن حدود المهمة وقواعد الاشتباك وطبيعة العلاقة مع السلطات النيجرية عند اختلاف تقدير التهديد.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.