يشترط تموقع المدرسة في السياق المجتمعي عموما، من خلال محدداتها الأساس، استحضار النظرة الموضوعية، المتمركزة حول إجبارية البحث عن الحلول، الآنية منها، المتوسطة، والبعيدة، إذ أن الطابع العام الذي تنتمي إليه المؤسسة التربوية، يضعها أمام ضرورة رسم معالم رؤية استراتيجية، كما تقتضي إجبارية اعتماد المشروع المجتمعي، الذي يروم صنع مواطن الغد في بعده التكويني/ التربوي، لهذا فإن نقطة انطلاق هذه الرغبة الإصلاحية تصنف التنمية في صدارة الأهداف، إضافة إلى جعل الحق في التربية وبناء التعلمات من الأولويات.
يعرف الواقع المدرسي اليوم، وفق تقرير المجلس الأعلى2014، اختلالات تمثلت في: غياب الانسجام على مستوى مكونات المنظومة التربوية في شموليتها، نقص النجاعة أسلوبا ومنهاجا، وتدني المردودية في التحصيل، عدم مطابقة المناهج للحاجيات البيئية، إغفال مجتمع المعارف التكنولوجية، محدودية مسايرة مستجدات البحث العلمي، غياب المواكبة للتنوع الملحوظ للمجالات البشرية و الثقافية والبيئية.
لقد عاش المغرب تغيرات منذ مطلع الألفية الثالثة، توجت بدستور 2011، الذي أقر بدولة ديمقراطية ذات مؤسسات عصرية تروم تكريس الحق والقانون، تحقيق التنمية المستدامة، ضمان الحق في التربية للجميع، لهذا فإن توفير تعليم عصري يتحدد من خلال: التعدد اللغوي، لأجل تمكين الشباب من اللغات والمعارف الكفاياتية، ثم غرس ثقافة الحوار والتعايش، قصد تطوير قدراتهم التواصلية، وضمان مشاركتهم في التنمية، الأمر الذي زاد من حجم الرهانات، وضاعف من التحديات التي فرضت على المدرسة رفعها مستقبلا.
رغم كل الجهود المبذولة لتطوير الآداء المدرسي، فإن محدودية النتائج والآثار، وقصور الممارسات البيداغوجية المعتمدة، عجلتا بضرورة فتح نقاش موسع، في سبيل البحث عن حل جماعي، ثم وقفة تقويمية مع الذات، باعتماد إصلاح شامل، يرتكز على تبني مشروع تربوي منسجم من حيث الأسس والمرتكزات، الأمر الذي دفع بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين، إلى اعتماد رؤية استراتيجية، تأسست على مشاورات ضمت الفاعلين والشركاء والمتدخلين، كما شملت، ضمن أعمدتها، الثوابت: الدين الإسلامي، الوحدة الوطنية، الملكية الدستورية، ترسيخ القيم، وتقوية الحوار، والتشبع بثقافة حقوق الإنسان، بالإضافة إلى إجبارية تبني الاختيار الديمقراطي، الذي يتأسس على الهوية المغربية، ويعتمد الاعتدال والتسامح.
لقد خلصت المشاورات التي قطعتها خريطة طريق الإصلاح، إلى تصور شمل مدرسة جديدة بمواصفات جديدة، ضمت ضمن مرتكزاتها الرئيسة: اعتماد معيار تكافؤ الفرص، الرفع من المردودية، وصولا إلى تحقيق الجودة للجميع، ثم الارتقاء بالفرد في إطار دينامي جماعي، لذا، فإن الانتقال إلى بناء التعلمات، يفرض تجاوز التلقين، لتظل تنمية الحس النقدي، وتكريس بيداغوجيا المشروع الفرداني، ثم اكساب واكتساب الكفايات الأساس، من الأهداف البارزة للمشروع الإصلاحي المرتقب.
انطلاقا مما سلف، فقد باتت مدرسة الغد مدعوة إلى: تحقيق الملاءمة والانسجام بين المناهج ومتطلبات العصر، قصد الاضطلاع بوظائف وأدوار ستمكنها من: التنشئة الاجتماعية، والتربية على القيم وطنيا وكونيا، إضافة إلى التكوين والتأطير، والتعليم والتعلم، فالتأهيل والاندماج، قصد بلوغ تنمية ملكة البحث والابتكار، ثم تحقيق الاندماج في المجال السسيوبيئي.
مرورا بالوظائف الأساسية لمدرسة الغد، فقد خلصت الرؤية الاستراتيجية للإصلاح إلى أسس ثلاث للمدرسة الجديدة: تحقيق الجودة للجميع، التركيز على مبدأي الإنصاف وتكافؤ الفرص في التربية والتكوين، ثم الارتقاء بالفرد والمجتمع.
خلاصة القول، فإن الرؤية الاستراتيجية للإصلاح المرتقب، بعد أن انطلقت من مشاورات موسعة، تنوعت مداخلها ومخارجها، واتسعت آفاقها ونتائجها، كما شملت أصنافا ثلاثا: فاعل/ متدخل/ شريك، كفيلة برسم معالم مشروع تربوي طموح، لمدرسة جديدة، بسمات جديدة، شريطة حضور عاملي النجاعة والجودة، تنزيلا وفعلا، دون إغفال الانسجام الكلي بين التنظير والتطبيق، باعتبارهما حلقة هامة في معادلة الإصلاح المنشود.
التعليقات
1آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
غريب وطن
ما هو الجديد ؟
لم تعد المواضيع المرتبطة بالتعليم تثير اهتمام المعلقين لكونها لا تحمل جديدا وتكرر ما يتغنى ويطبل به المسؤولون عن آفاق غامضة ومستقبل باهت. لماذا لا يتم الكلام عن تدهور البنيات التحتية في أغلب المؤسسات التعليمية ؟ لماذا لا يتم الكلام عن غياب الوسائل التعليمية وغياب لمنهجيات وطرق تعلم عصرية ؟ لماذا يغيب الحس الفني والجمالي في الفضاء التعليمي ويعوض بالاكتظاظ والإهمال والإقصاء والتهميش للأنشطة ؟ لماذا يغيب عنصر الابتكار والإبداع والإنتاج العلمي والأدبي والفني من الأنشطة التعلمية ويعوض بالحشو والتلقين المفرط ؟ لماذا لا يدري مدرسينا كيفية معالجة المشاكل التي تعيق التعلم ويكتفون بالنتائج التي تؤشر تدني التعليم لدرجة أصبح مستحيلا أن تجد في القسم من هو في المستوى الجيد ؟ لماذا صار مفهوم الدعم والمعالجة سوى تكرارا وإعادة للدروس بمفهوم الساعات الإضافية ؟ لماذا هو صعبا تغيير النموذج التقليدي للتعلم بواسطة الكراسة والسبورة بنموذج عصري مبتكر وفعال ؟ لماذا ننظر للمتعلم وكأنه إناء يجب ملئه بالتفاهات ولا نقدر رغباته واهتماماته بالتعلم ؟ لماذا نعتبر الامتحان عنصر انتقاء وإقصاء عوض تقويم وتعديل وتصويب ؟ هي أسئلة تعكس منظورنا التقليدي للتعليم والتعلم والتي لم تتغير مع كل محاولات الإصلاح السابقة ومع كل تقلبات الشعارات المتفائلة بالإصلاح يظل الواقع مزريا ويزيد تدهورا كل سنة في غياب منظور شمولي متطور.