القائمة الرئيسية
أخبارنا

حول النموذج التنموي الجديد

حول النموذج التنموي الجديد

على هامش مناقشات النموذج التنموي المنتظر، يتم التركيز على تأهيل العنصر البشري كعائق من معيقات القضاء على البطالة، الذي ورد في عدة مداخلات تسعى لمعالجة مكامن الخلل، فحتى لا تأخذ هذه الكمالية حجما تضخمه قوة كلمة الصناعيين الذين يشتكون للساسة نفس الأمر بألمانيا وانجلترا حاليا، ولكي لا تغطي هذه النقطة على نقط قوة الإشكالية.

 

فرغم قيمة التعليم والتأهيل الحيوية والتي لا تناقش، غير أن جعلها في المغرب نقطة من نقط قوة الأزمة مجانب للصواب، لأن التعليم والتكوين بأقوى الدول لا يمكنه التغطية الشاملة لحاجيات الصناعيين الذين يشتغلون بنظم وتقنيات لا حصر لها من حيث العدد، تتبدل وتتجدد باستمرار من حيث النوع، فنفس خط الإنتاج يمكن أن تستبدل آلياته وتقنياته كلما جد جديد، ولا أدل على ذلك أبناء الفلاحين الذين هاجروا لأوربا ويشتغلون بمصانع عصرية جلهم لم يتلق أي تكوين ولا تعليم نظامي، باستثناء التدرب المكتسب داخل المصنع نفسه.

 

هي ملاحظة تستحق أن يسمع لها حيث يجب فعلا تقوية وتنويع عروض التكوين المهني لكن اعتبارها عائقا هو أمر مبالغا فيه ومشوشا على تشخيص جوهر الأزمة، لأن أصل هذه المشكلة الحقيقي ليس سوى عدم رغبة الصناعيين في بذل الوقت لتأهيل المرشحين الجدد للعمل، رغم أن القانون يوفر لهم عدة تحفيزات، لكن بعضهم يشبه نوعا من النساء اللواتي مهما قدمت لهن فدوما هناك شيئما ينقص.

 

فقلب الأزمة بالمغرب هو الفارق الكارثي بين العرض والطلب على الشغل، والذي يفتح الباب للتشغيل من النوع الرديء من جهة، ثم توسع العرض المستمر الذي يغذيه عدد الخريجين والمغادرين لسلك التعليم قبل التخرج سنويا، حجم مهول لا يغطي عدد مناصب الشغل المستحدثة في القطاعين العام والخاص سوى نسبة محدودة منه.

 

إن السعي خلف كل شيء لن يحقق شيئا، فنحن أمام أزمة تتكون من عدد من المشتغلين بنصف راتب، وعدد من العمال الموسميين، فوق عدد من العاطلين كليا الذين يقدرون بالملايين تفد عليهم عشرات أو مئات الآلاف سنويا من الخريجين والمغادرين، ولا بداية لانفراج هذه الأزمة قبل توسيع قاعدة الطلب على الشغل بالحجم المطلوب، فأصل الداء هو قدرات القطاع الخاص المجد محدودة بالمغرب، وأهم صنف في هذا القطاع يعاني من علو عتبة ولوج قطاعي الإنتاج والتصنيع بالمغرب، التي تخنقها البيروقراطية وغلاء العقار سواء للشراء أو للكراء، فهذان هما السببان الحقيقيان اللذان منعا المغرب من الاستفادة من نسبة عدد الشباب، ومن مجهودات تهيئ البنية التحتية ومن توقيع اتفاقيات التبادل الحر اللذين شكلا محور شوط التنمية الأخير. أما الباقي فهو تفاصيل رغم صحة وجودها إلا أن التركيز يجب أن يبقى موجها نحو صلب الأزمة.

 

سيبقى التخوف منطقيا من أن لا ينسج غطاء يفي بحاجيات من هذا الحجم، تخوف لا تنقص منه نوعية المنتوج السياسي الرائج حتى بعد تحديد جلالة الملك للخلل وللحاجة بدق التفصيل. فإن كان الاستباق من أسس التفوق السياسي فإن السبق لم يحقق منفعة تذكر للمصلحة العامة؛ حيث كان مقترح مشروع الربيع الصناعي جاهزا منذ سنة 2014، والذي تتحدى الوصفة التي يتضمنها أي وصفة بديلة لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، حيث كان من الممكن أن تكون اليوم عشرات الآلاف من الوحدات الإنتاجية قد افتتحت، لو فتحت الأبواب لهذه الوصفة التي عرضت بالمجان إلا أن عيبها الكبير هو أنها لم تصدر من اسم لامع أو من مؤسسة مرموقة.

 

عينة فقط من فقرة ملحقة بمقترح مشروع الربيع الصناعي، الذي تركت عنونته، عمدا، بمقترح مشروع النهضة الصناعية، لأذكر الشباب بأن الربيع هو ربيع الأفكار وليس ربيع الاحتجاج فقط، هذه الفقرة خصصتها للعاصمة الرباط اقترحت فيها اقتناء عقار المستشفى العسكري القديم من طرف مجلس المدينة بالتقسيط، وتكليف الشركة العقارية العامة ببناءه بالتقسيط، ثم تكليف صندوق الإيداع والتدبير بتسييره مقابل عمولة لسد الطريق عن ذوي المآرب الانتخابوية، يخصص فقط لكراء المكاتب بأثمنة تشجيعية تساعد في إحداث منصة توظيف تضاهي تلك التي توفرها الوظيفة العمومية، مع بعض الوحدات الفندقية خاصة وأن الموقع موصول بخطوط الترامواي، فأسعار كراء المكاتب خيالية حتى تلك التي يعرضها صندوق الإيداع والتدبير عينه بأكدال وبحي الرياض، فالمدينة ستصبح بمشروع من هذا الصنف قادرة على التقدم في مشروع أبو رقراق ذاتيا والذي يعتبر مساره دليلا على أن صخرة العجز المالي محليا ووطنيا لا تفجر إلا بهذا النوع من الديناميت. فالبئر مهما شقت عملية وتكلفة حفره، فلا بديل سيجدي لري واخضرار الحقل بكامله.

 

بقلم الأستاذ عبد الرزاق الحجوي

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.