يقال إن الآدمي لا يبكي إلا حينما تصل همومه حدا يصبح الوضع فوق طاقته ولا يحتمل،فزرادشت الراهب الكردي بكى لأن الجهل استشرى في بني جنسه ولم يجد لهم للتنوير سبيلا وابن رشد العلامة العربي بكى حين هم القوم بإحراق كتبه التي أفنى في تأليفها زهرة حياته والقائد هتلر بكى لأن أطماعه النازية انهارت حين شارفت دول التحالف مشارف برلين، كل هؤلاء بكوا وهم عظماء ما غابت عنهم الشمس ولعل القارئ يتساءل الآن وما الذي أبكى رجل التعليم وأنا أجيب وهل رجل التعليم عظيم ؟
قد يكون رجل التعليم عظيما في زمن تبدلت وتفاوتت فيه معايير ومقاييس العظمة فاستثني من قائمة العظماء وأصبح شيئا آخرا لست أدري ما أسميه، ولست أدري كم من القصائد كان سيخصصها له شوقي لو كان حيا ليصف فيها وضع المعلم المأسوي، لم يخطأ شوقي حين قال في قصيدته إن المعلم كاد أن يكون رسولا وهو اليوم بحق أصبح رسولا ومن المعروف عن الرسل هو الابتلاء والاضطهاد والمعاناة والفقر والجوع والإعراض، طوبى لك أيها المعلم لقد أدركت المبتغى، بشرى لك بشرف النبوة،وقسوة الابتلاء.
قمت باستطلاع استبياني في مدونتي الالكترونية حول الوضع الطبقي لرجال التعليم فكانت النتيجة مذهلة إذ أن 90%ينحدرون من أسر تنتمي إلى الطبقات الشعبية المتوسطة الدخل، وكتبرير لأحد الأساتذة عن دواعي اختياره مهنة التعليم أجاب "لكي أعيل عائلتي" وفي استطلاع سابق أجرته صحيفة مغربية حول الفئة من الموظفين الأكثر استدانة من البنوك وجدت أن رجال التعليم هم الشريحة الأكثر اقتراضا من المؤسسات البنكية، وهذا سبب كافي ليقودنا إلى تسليط الضوء على دخل رجل التعليم، فهزالة الأجر الذي يتقاضاه أفراد الأسرة التعليمة غير كافي لتغطية الحاجيات الضرورية على رأسها السكن والعيش الكريم، فبعد تفكير وتردد يجد رجل التعليم نفسه بين أحضان مؤسسة بنكية تستحلبه وتمتص دمه وتضاعف خيبات أمله وتعمق همومه، لقد كان أجدادنا
قديما يستعيدون بالله من الكريدي وما قاربه لعلمهم بما يتسبب فيه للرجل من غم وهم.
مبكيات رجل التعليم في زماننا هذا لا تعد ولا تحصى فهي تتلون بتلون تعاقب الحكومات وسياساتها التي أغرقته في وحل الوعود، يفتحون أمامه الباب ويؤثثون عمله بحزمة من المشاكل يشغلونه بها طيلة فترت اشتغاله فيمضي عمره في النضال الفارغ، يعالجون مشاكله قطرة قطرة ويضل وضعه سريري في حالة انتظار وترقب وبذلك يكون قد ضيع على نفسه الانتباه إلى قضايا مجتمعه والتي من المفروض أن يكون مساهما مطلعا مبديا لوجهات نظره حول القضايا المصيرية لبلده، أليس هذا هو المنتظر من مربي الأجيال لكن هيهات هيهات فمن كان يتوسم فيهم الخير لإعادة الاعتبار لرجل التعليم تخلو عنه وعمقوا الهوة بينهم وبينه واتخذوه عدوا بعد ما كان بالأمس خليلا فاتهموه بالمقصر في عمله ونعتوه بالسمسار واللص والمتحرش الجنسي وهلم جر من الكدمات التي لا يفتأ يستقبلها بصدر عاري، وأنا لست هنا لأنفي عنه هاته الاتهامات فشق كبير منها صحيح لأن "حوتة واحدة كتخنز الشواري" حسب المثل الشعبي المتداول عند المغاربة وما أكثر الحيتان الفاسدة في الشواري التعليمي،مبكيات رجل التعليم لا تعد ولا تحصى أجملها كالأتي:
_هزالة الأجر المتقاضى:لا يخفى على أحد أن الأجر الذي يتقاضاه رجل التربية هزيل ولا يكفيه لسد حاجياته وتلبية تطلعاته المعيشية من زواج وسكن وتنقل، فتجده غارقا حتى أخمص قدميه في الكريدي انطلاقا من مول الحانوت وصولا إلى المقهى، وحتى أذا ما جاء آخر الشهر وتسلم أجرته يشرع في إنفاقها يمينا وشمالا في تسديد ما عليه من دين، فما ينفك يسدد دينه حتى يرتمي في مديونية جديدة، ولعل أخطر ما يرهق ويبكي رجل التعليم هي الاستدانة من المؤسسات البنكية فلا يبقى له من أجرته الشهرية إلا القليل نتيجة الاقتطاعات المبرمة بينه وبين البنك، حينها يرتمي في موجة من التخمام فكيف له أن يسد متطلباته المتزايدة أمام هذا الوضع المالي المزري، فهذا داعي كافي ليجعل رجل التعليم يدخل في نوبة بكاء صامتة لا متناهية.
_حلم العودة إلى مسقط الرأس: لطالما تساءلت عن العقلية التي تدبر بها الوزارة مواردها البشرية فتجدها ترمي بالأساتذة رمية النرد، هذا إلى الشرق
وهو منحدر من الجنوب وهذا إلى الشمال وأصله من الغرب فيمضي المدرس نصف عمره في الزحف ببطء نحو مسقط رأسه رحلة أشبه برحلة السلمون في دراميتها فلا يصل إلى مبتغاه حتى يكون جلده انسلخ عن لحمه، وبلغ منه الأسى مبلغه فكل دقيقة يمضيها بعيدا عن أهله ودويه هي أشبه بمسمار يدق في نعشه، ألا يكفي هذا ليبكي المسكين ويندب حضه المتعثر الذي طوح به في الغربة وأبعده عن بيئته التي لا يجد الراحة إلا فيها ،فما أكثر المعلمين والمعلمات المتشردين عن أزواجهن ودويهن منهم من هو مرابط في القرى النائية ومنهم من هو في قمة الجبل كالناسك العابد من شدة العزلة ترهبن.
_تلاشي قيمة المدرس في المجتمع: يقال أن المدرس قديما كانت له هيبة تفوق هيبة الأسد، كما أخبرونا أن الصبيان كانوا إذا ما أبصروا المدرس في رقعة ما فأنهم ينقلعون ويفرون وتكاد قلوبهم تفر من أقفاص صدورهم، كما أنهم قالوا لنا كانت للمدرس طلعة تشبه طلعة القمر، وهلم جر من النعوت الطيبة الممجدة لرجل التعليم، أما اليوم فالمدرس أصبح أرخص من بصلة في سويقة متعفنة، تنظم في حقه القصائد التهكمية والنكت المضحكة، فالمعلم اليوم عند عامة الناس يقال له "كعلم" والأستاذ فهو "بوزبال" تلك الشخصية الكاريكاتيرية المتداولة في الفيسبوك، المدرس تنتهك كرامته ويضرب ويهان وكأن شيئا لم يكن، قرأت قصاصة إخبارية أوردتها جريدة مغربية عنوانها "تلميذ في حالة الدفاع عن النفس يدخل أستاذه في غيبوبة" بقيت حينها أبكي حتى استيقنت أن المسكين استفاق وقدم اعتذار للتلميذ وهذا أقل شيء يمكن أن يقوم به فكل القوانين الجنائية مع التلميذ وضد الأستاذ.
حين بكى رجل التعليم اتهموه "بالبوحاطي الباندي" لكن أنا أعرف أن رجل التعليم قد أنهكته صخرة زيزيف التي لطالما حملها على كتفيه متسلقا بها الروابي والجبال متجشما المناخ وقسوته مكابدا خيبات أمل الحاضر والمستقبل كل هذا لا لشيء إلا لتبليغ تلك الرسالة التي أدنى ما يقال عنها أنها مقدسة تعبق برائحة الفل والصندل،كلنا أمل في ميلاد فجر حكومة تنفس هموم رجل التعليم وتعيد لشخصه القيمة البائدة التي كانت له بالأمس، كلنا أمل في سياسة تشاركية مقارباتية تهدف إلى التخفيف من عبء هذا المخلوق المكافح وإنصافه ضد ما مسه من حيف و تكالب على حقوقه وهيبته،كلنا أمل في من يصدح
بالصوت العالي فلنجعل رجل التعليم يبتسم بدل أن يبكي ويحزن وإننا على يقين تام إن ابتسم رجل التعليم ستبتسم التربية وستخضر المدرسة المغربية وتورق بعد سنون الجدب والخريف الاصفر.
التعليقات
11آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
مصطفى
مالك اش بغيتي المعلم ؟
مالك يا كعليم شحال بغيتي اخلصوك ؟. واقيلا اكثر من الوزير الوافا مكاينش لقاري بحال كعلم. ناجحين غير بالنقيل و الحجابات. والدلليل المرتبة الاخيرة ديال تلاميدتكم عالميا.
زاكوري
رد
الغريب هو ان المعلم (الاستاذ) يشكل عقدة لبعض المغاربة والسبب حسب علم البرمجة اللغوية العصبية هو ان اسمه مقرون بدكريات العقاب البدني و الامتحانات و الفروض ....... الخ الطرق التقليدية في التدريس هي التي انتجت هذه الثقافة عند الناس
نسرين
روعة والله
اشكرك استاد على مقالتك القيمة والله لقد بكيت حين قرأتها ما قلته واقع ومعاش فرجال ونساء التعليم في محنة ربي لي عالم بيها نتمنى من الله أن يمن علينا بسياسة رشيدة تعيدالاعتبار لرجل التعليم
غيورة
المواطن المطحون
و الله صدقت يا اخي لقد حركت بداخلنا جراحا لا تندمل واضف الى الى ما قلته الحكرة التي يتجرعها رجل التعليم من هيئة التفتيش مني تبجي وهو تيفهم عليك و يمرمدك عاد يعتيك النقطة و تنقول للاخ احترم المعلم راه هو اللي قراك الى كنت بعد قاري
مصطفى
كعلم
الى 5 قارين غير المعلمين في بلادنا.
مجيدو
يجنون ما زرعوا !
صدقت في ما قلته ،اشكرك يا اخي على هذاالمقال. واضيف الى ذلك ان تقدم اي بلد رهين بننجاح التعليم فيه.ومن بين العوامل الاساسية للوصول الى هدا الهدف اعطاء اعتبار الى رحل التعليم والرفع من شانه ماديا ومعنويا. الا انه العكس ما يحصل عندتا والنتيجة هو هذا التدني الخطير لمستوى التعليم عندنا مقارنة مع بلدان اخرى
نوبير
من يعيد الاعتبار للاستاذ
كم مرة اجد نفسي أتسائل من سيتكفل بإعادة الاعتبار لرجل التعليم الذي أصبح الكل يتكالب عليه الامي والمتعلم لا خير في مجتمع تنكر لمعلميه الذين اخرجوه من الظلمات الى النور
فاروق
مسؤولية
في رايي المتواضع احمل تدني مستوى التعليم الى مدراء ومفنشو التعليم. زمان كان المدير غيور على مدرسته كان صارما مع الحارس و المعلم و التلامبد كان يسعى بكل الطرق للتتفوق مدرسته على باقي المدارس. كان الاحترام سائدا في المدرسة .اما الان فوضى ثم فوضى
chahid
shih
hada howa elwaki3 ya akhi ma3a kamel alasaf la yoridoun annohoud bi mojtama3 yoridoun i3adat nafs intaj bidarb ostad wa takafa
اسيرة
الى المسمى مصطى
صحيح ان الفارغات رؤوسهن شوامخ
imane
almoaalim
كاد المعلم ان يكون رسولا هذه القولة تقال في حق المعلم الحقيقي المعلم الذي قلت عنه أنه كانت هيبته تفوق هيبة الأسد،أما المعلم الذي تتحدث عنه فليس إلا كعلما مع آحترامي لكل المعلمين المحترمين.فالمعلم الذي يختار مهنة التعليم ليعيل عائلته لا أضن أنه يفكر في أن هذه المهنة مسؤولية كبيرة .التعليم مسؤولية كبيرة لا يختارها إلا من يكون على يقين بأنه سيؤدي هذه المهنة على أكمل وجه .نحن نعلم جيدا محنة المعلم ،المعلم يجب أن يكون مستقرا ماديا و معنويا حتى يعطي الأحسن.لكن اليوم نرى كل من رءى نفسه ربما مستقبلا لا يجد عملا يقول اللهما أذهب للتعليم و لا يفكر في المحن التي ستواجهه ،لو أن وزارة التعليم لم ترى تزايد عدد المعليمين لما تساءلت لمادا عدد المعلمين ينقص ستعرف بالطبع السبب،لكن لماذا ستتساءل و عدد المعلمين يزيد. من قبل كان المعلم مأكله و مسكنه على الناس المجاورين له أو على أهل الدوار ،وعندما كان يذهب إلى أهله كان يأخد مصروف الأسبوع من أهل الدوار ،كل واحد يعطيه ما جادت به أرضه.أما الأن فكل الناس في محن،و كذلك كثرت مساوء بعض المعلمين حتى ضن الناس أن كل المعلمين يشبهون بعضهم البعض.نتمنى أن تتحسن وضعية المعلمين،و نتمنى أن يكون التعليم جيدا في المستقبل.