حدود السودان ومالي واختبار السيادة الهشة
د. أمين صوصي علوي
في معظم أنحاء إفريقيا، لم تعد الحدود تعمل بوصفها خطوطاً قانونية مستقرة ترسم حدود السيادة الوطنية. بل أصبحت تتحول بشكل متزايد إلى فضاءات أمنية مهتزة تتقاطع فيها النزاعات الداخلية، والفاعلون المسلحون العابرون للحدود، وحسابات القوى الإقليمية. ويتجلى هذا التحول بوضوح في الأزمتين المتداخلتين في السودان ومنطقة الساحل، حيث أعادت هشاشة الدولة إعادة تشكيل الحدود من خطوط فصل إلى مناطق تماس استراتيجية.
وبدل أن تؤدي الحدود وظيفة الحاجز بين السيادات، أصبحت ساحات تشغيلية تمتد فيها الاعتبارات الأمنية خارج الإقليم الوطني، وتتحرك فيها أطراف خارجية وفق منطق متداخل يقوم على الاحتواء والردع وبسط النفوذ.
تتناول هذه المقالة حالتين مختلفتين من حيث السياق، لكنهما متقاربتان من حيث البنية: السودان، حيث تبرز إشكاليات استخدام القوة عبر الحدود في ظل حرب داخلية مستمرة، ومالي، حيث تطور دور الوساطة الإقليمية إلى شكل من أشكال النفوذ المؤثر في توازنات الصراع الداخلي
الحالة السودانية: بين ضرورات الأمن واحترام السيادة
أعاد تصريح المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة السوداني، أمجد فريد، بشأن استهداف مناطق تعدين في شمال السودان، فتح نقاش حول العلاقة بين الأمن الحدودي واحترام السيادة. فقد أشار إلى ضرورة معالجة الحادثة عبر القنوات الرسمية بين الخرطوم والقاهرة، في ظل سلسلة من الاحتكاكات الحدودية التي عرفتها المنطقة.
وتحدثت تقارير إعلامية سودانية عن تعرض مواقع للتعدين الأهلي في جبل العقيدات قرب الحدود المصرية–السودانية، يونيو 2026، لضربات جوية أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين. وقد ارتبطت الواقعة باتهامات في الأوساط السودانية تشير إلى مسؤولية مصر عن تنفيذها، بما وسّع منسوب الحرج السياسي في الإقليم، وفتح الباب أمام إعادة طرح طبيعة التوازنات الدقيقة في العلاقة بين القاهرة والخرطوم. ويأتي ذلك في سياق أكثر تعقيدًا، إذ كانت القاهرة تُؤخذ عليها في فترات سابقة مقاربتها القائمة على دعم المؤسسة العسكرية السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان، في ظل ما يُطرح من نقاشات مرتبطة بطبيعة علاقته ببعض شبكات الإخوان المسلمين. غير أن هذه الحادثة الأخيرة وضعت البرهان نفسه في قلب معادلة أكثر حساسية، حيث بات مطالبًا بالموازنة بين مقتضيات إدارة الأمن الحدودي والحفاظ على السيادة من جهة، وتجنب تصاعد التوتر مع دولة جوار محورية مثل مصر من جهة أخرى، بما يجعل المشهد مفتوحًا على ضغوط متبادلة تعيد تعريف حدود العلاقات السياسية والأمنية للطرفين. ولم يصدر، حتى الآن، موقف رسمي من القاهرة يحسم هذه الاتهامات، الأمر الذي يجعل تقييم الواقعة مرهونًا بما قد تكشف عنه أي تحقيقات أو معطيات موثقة لاحقة وكيف ستتعاطى حكومة بورتسودان مع تداعيات الحادثة.
وتكتسب الحادثة أهميتها لأنها تأتي في ظل تحالف استراتيجي بين مصر والقيادة العسكرية السودانية يقوم على اعتبارات أمنية تتعلق بحماية الحدود ومنع انهيار الدولة السودانية. إلا أن استمرار الحرب، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتراجع سيطرة الدولة على أجزاء واسعة من البلاد، جعل الحدود تتحول إلى فضاء أمني مفتوح تتداخل فيه مكافحة التهريب، وحماية المصالح الاقتصادية، والاعتبارات العسكرية.
ومن منظور القانون الدولي، يبقى مبدأ عدم استخدام القوة واحترام سيادة الدول هو الأصل، مع الاستثناءات المعروفة المتعلقة بالدفاع الشرعي أو موافقة الدولة المعنية أو قرارات مجلس الأمن. غير أن تطبيق هذه المبادئ يصبح أكثر تعقيدًا في البيئات الحدودية الهشة، حيث تختلط التهديدات الأمنية بالنزاعات الداخلية، ويصبح التمييز بين حماية الأمن والتدخل عبر الحدود أكثر صعوبة.
ولا تكمن أهمية الحالة السودانية في تفاصيل الواقعة بقدر ما تكمن في الأسئلة البنيوية التي تعيد طرحها حول مستقبل الأمن الحدودي في إفريقيا، في سياق تتراجع فيه الحدود من كونها خطوطاً فاصلة صلبة إلى فضاءات تماس مفتوحة على التهديدات غير التقليدية. فإلى أي مدى يمكن للدول أن تعيد تعريف أمنها القومي بما يسمح بامتداده خارج نطاقها الإقليمي دون أن يمس ذلك جوهر مبدأ السيادة كما استقر في القانون الدولي؟ وكيف يمكن، في المقابل، التوفيق بين متطلبات مواجهة التهديدات العابرة للحدود—مثل التهريب، والجريمة المنظمة، وانتشار الفاعلين المسلحين غير الحكوميين—وبين الحفاظ على القيد القانوني والسياسي الذي يمنع انزلاق استخدام القوة إلى خارج الإقليم الوطني؟
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في البيئات الهشة التي تعاني من نزاعات داخلية ممتدة، حيث يصبح غياب الدولة أو ضعفها عاملاً يفتح المجال أمام تداخل وظائف الأمن بين الداخل والخارج، ويجعل من الصعب رسم حدود واضحة بين “الدفاع المشروع” و”التدخل غير المعلن”. ومن ثم، فإن النقاش لا يعود محصوراً في مدى قانونية أو عدم قانونية سلوك بعينه، بل يمتد إلى التحولات العميقة التي تطال بنية النظام الإقليمي في إفريقيا، حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي للدول مع هشاشة الجوار، بما يعيد تشكيل مفهوم السيادة نفسه من كونه مبدأً ثابتاً إلى كونه مجالاً تفاوضياً متغيراً تحت ضغط الوقائع الأمنية المتسارعة
وتقود هذه الأسئلة إلى نموذج آخر مختلف في الساحل، حيث لا يتعلق الجدل باستخدام القوة عبر الحدود، بل بطبيعة النفوذ الذي تمارسه القوى الإقليمية داخل دولة مجاورة.
الحالة المالية: أزمة الحدود ورهانات النفوذ الجزائري
منذ اندلاع التمرد المسلح في شمال مالي سنة 2012، تحولت الأزمة من تمرد محلي في إقليم أزواد إلى صراع إقليمي معقد تتداخل فيه الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية وشبكات التهريب العابرة للحدود، في بيئة صحراوية واسعة يصعب إخضاعها لسيطرة الدولة.
وجاء اتفاق 2015، الذي رعته الجزائر، بعناوين مثل الوساطة السياسية بين الحكومة المالية والحركات المسلحة، غير أن ضعف التنفيذ واستمرار النشاط المسلح وفشل الوساطة أدى الى إعلان السلطات المالية سنة 2024 إنهاء العمل به، معتبرة أنه لم يعد يستجيب للتحولات التي شهدتها البلاد.
ومنذ ذلك الحين، تصاعد الجدل حول الدور الجزائري في مالي. ففي حين تزعم الجزائر أنها تضطلع بدور يهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي، ترى السلطات في باماكو وعدد من المحللين أن الجزائر تجاوزت دور الوسيط إلى ممارسة نفوذ مباشر في توازنات الشمال المالي، من خلال استمرار قنوات الاتصال مع بعض مكونات الحركات الأزوادية، وتحويل ملف الشمال إلى ورقة للتأثير في القرار السياسي والسيادي لدولة مالي.
وتنظر باماكو إلى هذا التشابك الأمني باعتباره أحد العوامل البنيوية في تعثر استعادة الدولة لسيادتها الكاملة على شمال البلاد، في ظل تمدد جماعات مسلحة عابرة للحدود، في مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، إلى جانب تنظيم “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” الذي برز كأحد أكثر التنظيمات دموية في منطقة الحدود الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مستفيدًا من هشاشة المجال الصحراوي وتداخل مسارات التهريب مع العنف المسلح.
وفي هذا الإطار، تستحضر قراءات أمنية وإعلامية إقليمية مسار عدد من الفاعلين الذين انتقلوا من بيئات النزاع في مخيمات تندوف إلى ساحات العنف في الساحل، وفي مقدمتهم عدنان أبو وليد الصحراوي، الذي ارتبط اسمه في بداياته بصفوف “البوليساريو”، قبل أن ينتقل إلى مالي سنة 2010، حيث التحق بكتيبة “طارق بن زياد” المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ثم أسس لاحقًا “حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا” في غاو، قبل أن يعلن مبايعته لتنظيم داعش سنة 2015 ويصبح لاحقًا زعيم “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” إلى غاية مقتله في عملية عسكرية فرنسية سنة 2021. وتُقدَّم هذه المسارات في بعض الأدبيات الأمنية بوصفها مثالًا على تداخل البيئات الهشة في الساحل مع شبكات التطرف العنيف، دون أن يعني ذلك بالضرورة ترابطًا خطيًا أو أحادي الاتجاه.
كما تشير تقارير أخرى إلى أن الفضاء الحدودي الممتد بين جنوب الجزائر وشمال مالي والنيجر وليبيا يشكل إحدى أكثر المناطق هشاشة من حيث الرقابة الأمنية، حيث تتقاطع شبكات التهريب مع تحركات الجماعات المسلحة، في بيئة تُتهم فيها أطراف إقليمية بعدم كفاية التنسيق الأمني أو التغاضي عن بعض الأنشطة غير النظامية، بما في ذلك شبكات الوقود والسلاح والهجرة غير الشرعية، وهو ما يعمّق من إعادة إنتاج الفوضى في المجال الصحراوي.
وفي ظل هذا التشابك، تبقى هذه المعطيات محل جدل سياسي وإقليمي واسع، نظرًا لتداخل البعد الأمني بالبعد الجيوسياسي في الساحل، حيث تتحول بعض الوقائع الميدانية إلى عناصر في صراع النفوذ بين الفاعلين الإقليميين، ما يزيد من تعقيد فهم طبيعة العلاقة بين الحركات المسلحة، والفضاءات الحدودية، والدول الفاعلة في المنطقة.
وتكشف الحدود الجزائرية–المالية عن إحدى أبرز مفارقات الأمن في الساحل؛ فهي ليست مجرد خط فاصل بين دولتين، بل فضاء أمني مفتوح تتقاطع فيه الاعتبارات القبلية والسياسية والاقتصادية، بما يجعلها بيئة مواتية لإعادة إنتاج عدم الاستقرار، ويحول قضية الحدود إلى جزء من الصراع نفسه، لا مجرد مسرح له.
خاتمة
تكشف الحالتان السودانية والمالية عن تحول جوهري في مفهوم الحدود داخل إفريقيا. ففي السودان، فرضت الحرب الداخلية واقعًا جعل الحدود امتدادًا لمعضلات الأمن الوطني، بينما أظهرت مالي كيف يمكن أن تتحول مبادرات ط مثل لوساطة الإقليمية إلى أداة استراتيجية تذكي الخلافات وتمططها بدل حلها بهدف كسب مزيد من النفوذ الاستراتيجي ولو كان الثمن إغراق الحدود بالفوضى و الإرهاب.
ورغم اختلاف السياقين، فإن القاسم المشترك بينهما يتمثل في أن الحدود لم تعد تؤدي وظيفتها التقليدية بوصفها خطوطًا تفصل بين السيادات، بل أصبحت فضاءات يتداخل فيها الأمن مع النفوذ، وتتشابك فيها اعتبارات الدولة مع حسابات الفاعلين الإقليميين. ومن ثم، فإن مستقبل الاستقرار في إفريقيا لن يتوقف فقط على قدرة الدول على حماية حدودها، وإنما أيضًا على قدرتها على بناء منظومة إقليمية تفرض احترام السيادة، وتعالج التهديدات المشتركة حتى لا تتحول الحدود نفسها إلى مصدر دائم لإنتاج الأزمات.
د. أمين صوصي علوي
باحث في الإعلام والقضايا الجيوسياسية
