البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أم نحاكم التلميذ؟

البكالوريا من امتحان تربوي إلى عملية أمنية : هل نحارب الغش أم نحاكم التلميذ؟

بوشعيب حمراوي


هل أصبح التلميذ متهماً حتى يثبت العكس؟

ليست البكالوريا مجرد امتحان عادي يمر في حياة التلميذ المغربي كما تمر باقي فروض المراقبة المستمرة أو الامتحانات الإشهادية الأخرى، بل هي لحظة فاصلة تختزن سنوات من التعب والاجتهاد، وتختصر أحلام أسرة بأكملها، وقد ترسم ملامح مستقبل شاب أو شابة ينتظران الانتقال من مقاعد الدراسة الثانوية إلى آفاق التعليم العالي والحياة المهنية. ولذلك ظل هذا الموعد الوطني لعقود طويلة يحمل رمزية خاصة، لا باعتباره مناسبة لتوزيع النقط والشهادات فقط، وإنما باعتباره امتحاناً لقيم المدرسة المغربية نفسها، ولمدى قدرتها على ترسيخ مبادئ النزاهة والإنصاف وتكافؤ الفرص بين جميع أبنائها.

غير أن المتتبع لما آلت إليه أوضاع الامتحانات خلال السنوات الأخيرة يلاحظ تحولات عميقة في طريقة تدبيرها. فلم يعد الحديث ينصب أساساً على جودة التعلمات، أو تطوير أساليب التقويم، أو تخفيف الضغط المفروض على المترشحين، أو الارتقاء بالأجواء التربوية داخل مراكز الامتحانات، بقدر ما أصبح ينصب على أجهزة الكشف، وتقنيات الرصد، ومحاضر الغش، وعمليات التفتيش، والتعليمات الأمنية، والعقوبات الزجرية، حتى بات الرأي العام يتابع كل موسم امتحاني كما لو أنه يتابع خطة أمنية محكمة أكثر مما يتابع استحقاقاً تربوياً وطنياً.

ولأن الغش استفحل بفعل الثورة الرقمية، وتطورت وسائله بشكل غير مسبوق، فمن الطبيعي أن تبحث وزارة التربية الوطنية عن آليات جديدة لحماية مصداقية شهادة البكالوريا، وأن تستعين بالتكنولوجيا لمواجهة شبكات الغش المنظم، وأن تضع من الإجراءات ما يكفل حماية حقوق آلاف التلاميذ الذين اجتهدوا واستحقوا النجاح بعرقهم واجتهادهم. فالدولة ملزمة قانوناً وأخلاقاً بضمان تكافؤ الفرص، ولا يمكن لأي مجتمع يحترم نفسه أن يقبل بتحويل الشهادات الوطنية إلى أوراق فاقدة للمصداقية بسبب انتشار الغش.
لكن، في المقابل، هناك سؤال أكبر وأعمق يفرض نفسه بإلحاح، وهو السؤال الذي يبدو أن أحداً لا يريد الاقتراب منه : هل يمكن محاربة الغش دون أن نفقد روح المدرسة؟ وهل يجوز أن تتحول المؤسسة التعليمية، وهي فضاء للتربية والتكوين، إلى فضاء يغلب عليه الهاجس الأمني، حتى يشعر التلميذ منذ اللحظة الأولى بأنه محل اشتباه أكثر منه محل ثقة؟

إن المذكرة الأخيرة، الصادرة عن المدير العام للعمل التربوي مولاي يوسف الأزهري، بشأن تأمين اختبارات الدورة الاستدراكية للبكالوريا، أعادت هذا النقاش إلى الواجهة بقوة. فالمذكرة تضمنت إجراءات غير مسبوقة من حيث الصرامة، من قبيل منع إدخال الحقائب والأمتعة الشخصية إلى مراكز الامتحانات، واعتماد عمليات تشخيص جماعية وفردية باستعمال أجهزة إلكترونية لرصد الهواتف، والاستمرار في عمليات الكشف والمراقبة داخل أقسام الامتحانات، وحتى بعد انطلاق الاختبار إلى غاية نهايته.
 
ورغم أن الهدف المعلن هو حماية نزاهة الامتحانات، فإن هذه الإجراءات تطرح أسئلة تربوية وإنسانية لا تقل أهمية عن سؤال محاربة الغش نفسه. فهل فكر واضعو هذه التعليمات في الأثر النفسي الذي يمكن أن تخلفه على آلاف المترشحين؟ وهل يكفي أن تكون النية حسنة حتى يكون الإجراء سليماً؟ وهل يجوز أن يتحمل جميع التلاميذ تبعات تصرفات أقلية اختارت طريق الغش؟
لقد اعتدنا، كلما ظهرت ظاهرة جديدة داخل المدرسة، أن يكون الرد هو المزيد من التعليمات، والمزيد من المذكرات، والمزيد من القيود، دون أن نتوقف قليلاً لنسأل أنفسنا: لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة أصلاً؟ ولماذا أصبح الغش يتطور كل سنة رغم تشديد العقوبات، ورغم اعتماد وسائل تقنية أكثر تطوراً؟ وهل يكمن الخلل في التلميذ وحده، أم في منظومة تربوية بأكملها تحتاج إلى مراجعة عميقة؟

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي إدارة هو أن تجعل من التشدد غاية في حد ذاته، وأن تعتقد أن كل فشل في تطبيق إجراء معين يعالج بإجراء أشد منه. فالتربية لا تُقاس بمنطق التصعيد، ولا تُدار بعقلية أن كل أزمة تستدعي مزيداً من التضييق، لأن المدرسة ليست سجناً، والتلميذ ليس متهماً، والامتحان ليس عملية أمنية خالصة.
قد ينجح التشدد في حجز هاتف محمول، لكنه لن يزرع قيمة النزاهة في النفوس. وقد تنجح أجهزة الكشف في ضبط وسيلة غش، لكنها لن تصنع جيلاً يؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالاجتهاد والعمل. فالقيم لا تُفرض بالأجهزة، وإنما تُبنى بالتربية، وبالقدوة، وبالثقة، وبالعدالة، وبالشعور بأن المدرسة فضاء يمنح الفرص ولا يصادر الكرامة.

ومن هنا، فأنا لا أسعى إلى الدفاع عن الغش، ولا إلى التقليل من خطورته، بل أدافع عن فكرة تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وهي أن محاربة الغش ينبغي ألا تتحول إلى محاكمة جماعية للتلاميذ، وأن حماية الامتحان لا ينبغي أن تتم على حساب الرسالة التربوية للمدرسة، ولا على حساب كرامة المترشح وطمأنينته النفسية.

فإذا كانت الدولة مطالبة بحماية مصداقية البكالوريا، فهي مطالبة أيضاً بحماية صورة المدرسة في وجدان أبنائها، لأن المدرسة التي يدخلها التلميذ وهو يشعر بأنه موضع ثقة، ستكون دائماً أكثر قدرة على صناعة مواطن نزيه، من مدرسة يدخلها وهو يشعر بأنه متهم حتى يثبت العكس.

 
فشلت المذكرة الوزارية الأولى... فكان الحل إصدار مذكرة أكثر صرامة

إذا كانت الحكامة الجيدة تقوم على مبدأ التقييم والمحاسبة واستخلاص الدروس من التجارب السابقة، فإن أول سؤال كان يفترض أن يُطرح بعد انتهاء الدورة العادية لامتحانات البكالوريا هو: هل حققت الإجراءات التي اعتمدتها وزارة التربية الوطنية أهدافها فعلاً؟ وهل نجحت الوسائل التقنية التي جرى الترويج لها في الحد من ظاهرة الغش، أم أن النتائج جاءت مخالفة لما كان مأمولاً؟
لقد أصدرت وزارة التربية الوطنية، في عهد الوزير محمد سعد برادة، مذكرة تضمنت اعتماد وسائل إلكترونية حديثة لرصد وسائل الغش داخل مراكز الامتحانات، وجرى تقديم هذه الإجراءات للرأي العام باعتبارها نقلة نوعية ستضيق الخناق على كل من تسول له نفسه العبث بمصداقية شهادة البكالوريا. واستبشر كثيرون خيراً، على اعتبار أن التكنولوجيا يمكن أن تكون حليفاً للمدرسة في مواجهة أساليب الغش التي تطورت بشكل كبير مع انتشار الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية الدقيقة.

غير أن الواقع الذي أفرزته الدورة العادية كان مختلفاً إلى حد بعيد عن الصورة التي رُسمت قبل انطلاق الامتحانات. فالأرقام الرسمية نفسها تحدثت عن تسجيل آلاف حالات الغش، وهو رقم غير مسبوق، كما تداولت العديد من الشهادات والملاحظات وجود أعطاب تقنية وصعوبات في تشغيل بعض أجهزة الكشف، واختلالات في طريقة استعمالها، فضلاً عن تفاوت واضح في تنزيل الإجراءات بين مركز وآخر، وهو ما جعل كثيراً من المتابعين يتساءلون: هل كان الخلل في الوسائل نفسها، أم في طريقة تدبيرها؟

وهنا يبرز سؤال آخر أكثر أهمية: عندما لا تحقق مذكرة إدارية النتائج المنتظرة، ماذا ينبغي أن يكون رد فعل الإدارة؟ هل تفتح ورشاً حقيقياً لتقييم التجربة، تستمع فيه إلى مديري المؤسسات، ورؤساء المراكز، والأساتذة المكلفين بالحراسة، والفرق التقنية، وحتى إلى التلاميذ أنفسهم؟ أم تكتفي بالقول إن الحل يكمن في إصدار مذكرة جديدة أكثر صرامة من سابقتها؟. 

للأسف، يبدو أن الخيار الذي تم اللجوء إليه هو الخيار الثاني. فبعد أسابيع قليلة فقط، صدرت مذكرة جديدة موقعة من طرف المدير العام للعمل التربوي مولاي يوسف الأزهري، حملت إجراءات أكثر تشدداً، وأكثر تدخلاً في تفاصيل تنظيم الامتحانات، وكأن الرسالة الضمنية هي أن سبب الإخفاق لا يكمن في طريقة التدبير، بل في أن الصرامة السابقة لم تكن كافية.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية. فالإدارة الناجحة لا تعالج الإخفاق بمنطق "إذا لم تنجح الجرعة الأولى فلنضاعف الجرعة الثانية"، وإنما بمنطق البحث عن الأسباب الحقيقية للخلل. لأن القرار الإداري، مهما بلغت دقته، قد يفشل إذا كانت ظروف تنزيله غير مناسبة، أو إذا لم يسبقه تكوين كافٍ، أو إذا افتقد إلى المرونة التي تراعي الواقع الميداني.

إن معالجة كل تعثر بمزيد من القيود قد تعطي انطباعاً سريعاً بالحزم، لكنها لا تعني بالضرورة أن المشكلة قد حُلّت. بل قد تنتج عنها آثار جانبية أخطر من المشكلة الأصلية، عندما يشعر آلاف التلاميذ بأنهم أصبحوا يدفعون ثمن إخفاقات لم يكونوا طرفاً فيها.
ولو أن الوزارة بادرت، بعد انتهاء الدورة العادية، إلى إصدار تقرير تقييم شامل للرأي العام، يوضح ما نجح وما فشل، وما هي الأعطاب التي سُجلت، وكيف سيتم تجاوزها، لكان ذلك أكثر انسجاماً مع مبادئ الحكامة والشفافية. أما أن ينتقل النقاش مباشرة من مذكرة إلى أخرى، ومن إجراء إلى إجراء أكثر تشدداً، دون تقديم حصيلة دقيقة للتجربة الأولى، فإن ذلك يترك الباب مفتوحاً أمام كثير من علامات الاستفهام.

ثم إن محاربة الغش ليست سباقاً في إصدار التعليمات، وليست منافسة في تشديد الإجراءات، وإنما هي مشروع تربوي متكامل. فكلما توسعت دائرة الشك، وكلما تضاعفت القيود، دون معالجة الجذور الحقيقية للظاهرة، كلما وجد الغش بدوره وسائل جديدة للتكيف والالتفاف على تلك الإجراءات.
لقد أثبتت التجارب، في المغرب وفي دول كثيرة، أن التكنولوجيا وحدها لا تهزم الغش، وأن العقوبات وحدها لا تبني النزاهة، وأن التعليمات الإدارية، مهما بلغت صرامتها، لا تستطيع أن تعوض غياب التربية على القيم. ولذلك فإن النجاح الحقيقي لا يبدأ من اقتناء أجهزة أكثر تطوراً، بل يبدأ من بناء منظومة تجعل التلميذ يرفض الغش لأنه مقتنع بخطورته، لا لأنه يخشى جهاز كشف أو محضراً تأديبياً.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مذكرة جديدة ليس: كيف نشدد أكثر؟ وإنما: كيف نجعل المدرسة أكثر قدرة على إنتاج النزاهة، لا مجرد مطاردة الغش؟ لأن الفرق بين الأمرين كبير؛ فالأول يبني الإنسان، والثاني يطارد السلوك فقط، بينما تظل أسبابه قائمة تنتظر فرصة جديدة للظهور.

الحقائب الممنوعة... هل أصبح التلميذ مطالباً بترك جزء من حياته خارج أسوار المدرسة؟

من بين جميع الإجراءات التي تضمنتها المذكرة الأخيرة، يبقى القرار القاضي بمنع إدخال الحقائب والأمتعة الشخصية إلى مراكز الامتحانات يعني داخل الثانويات، أكثرها إثارة للنقاش، ليس لأنه يتعلق بوسيلة قد تُستعمل في الغش، وإنما لأنه يمس الحياة اليومية للمترشح، ويطرح إشكالات إنسانية وتنظيمية وقانونية لم تحظ، على ما يبدو، بما يكفي من التفكير قبل إصدار القرار.

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد إجراء تنظيمي بسيط يهدف إلى تضييق الخناق على وسائل الغش، لكن بمجرد النزول إلى الواقع الميداني، تتكشف عشرات الأسئلة التي لم تقدم المذكرة جواباً عنها. فمن هو المسؤول عن ممتلكات آلاف التلاميذ التي سيُطلب منهم تركها خارج المراكز يعني خارج الثانويات؟ المفروض أن توفر الوزارة فضاءات مؤمنة لحفظ الحقائب؟ وأن تتحمل إدارات المؤسسات مسؤولية ضياعها أو سرقتها؟ لأنه لا يعقل أن يتركها التلميذ عرضة لكل الاحتمالات أمام باب المؤسسة أو في الشارع العام؟

إن المدرسة ليست مجرد قاعات امتحان، بل فضاء يستقبل أبناء المجتمع بمختلف أوضاعهم الصحية والاجتماعية. وليس كل المترشحين متشابهين في ظروفهم، ولا في حاجياتهم، ولا في المسافات التي يقطعونها للوصول إلى مراكز الامتحان. فهناك من يغادر منزله قبل ساعات طويلة من موعد الاختبار، وهناك من يقطع عشرات الكيلومترات قادماً من العالم القروي، وهناك من يعتمد على وسائل النقل العمومي، ومنهم من لا يعود إلى منزله إلا بعد ساعات من انتهاء الامتحان. 
فهل فكر واضعو هذه التعليمات في هؤلاء جميعاً؟.. وماذا عن التلميذ المصاب بداء السكري، الذي قد يحتاج في أي لحظة إلى دوائه أو إلى قطعة سكر أو وجبة خفيفة لتفادي انخفاض مفاجئ في نسبة السكر في الدم؟ وماذا عن المصاب بالربو الذي لا يفارق بخاخه؟ أو الذي يعاني من الحساسية المفرطة ويحتاج إلى دواء قد ينقذ حياته في دقائق معدودة؟ هل يُطلب من هؤلاء أيضاً أن يتركوا وسائل علاجهم خارج المؤسسة لأن الحقيبة ممنوعة؟
ثم ماذا عن قنينة الماء؟ أليس من حق المترشح، وهو يجلس لساعات في قاعة الامتحان، خاصة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، أن يحتفظ بالماء إلى جانبه؟ وهل أصبح الماء نفسه موضع شبهة؟
بل ماذا عن الهاتف المحمول؟ لا أحد يطالب بالسماح باستعماله داخل قاعة الامتحان، فذلك أمر محسوم قانوناً وأخلاقياً، لكن آلاف الأسر المغربية تعتمد على الهاتف للاطمئنان على أبنائها مباشرة بعد خروجهم من مراكز الامتحان، خاصة إذا كانوا يدرسون بعيداً عن مقرات سكناهم أو إذا تعلق الأمر بفتيات ينتظر أولياؤهن اتصالاً يؤكد سلامتهن بعد انتهاء الاختبار. فهل يعقل أن يتحول هذا الهاتف، الذي سيظل مغلقاً طوال مدة الامتحان، إلى سبب لمنع صاحبه من إدخال حقيبته إلى المؤسسة؟
الأخطر من ذلك أن المذكرة لم توضح الكيفية التي سيتم بها تدبير هذا المنع. فإذا حضر مئات التلاميذ بحقائبهم، أين ستوضع؟ ومن سيحرسها؟ وهل ستتوفر خزانات مؤمنة؟ وهل تم تخصيص موارد بشرية لهذا الغرض؟ أم أن الأمر سيُترك لاجتهاد كل مركز على حدة، بما قد يخلق حالة من الفوضى والارتباك واختلافاً في التطبيق بين مؤسسة وأخرى؟
إن الإدارة حين تصدر قراراً عاماً، تكون مطالبة أيضاً بتوفير الشروط العملية لتنفيذه. أما أن يُلقى العبء كاملاً على رؤساء المراكز والأطر الإدارية، دون توفير الوسائل اللوجستية اللازمة، فإن ذلك لا يؤدي إلا إلى نقل المشكلة من مستوى إلى آخر.

ثم إن هناك بعداً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بصورة المدرسة في نظر التلميذ. فالمدرسة، في وجدان الأجيال، كانت دائماً فضاءً للاستقبال والاحتضان والتوجيه. أما عندما يُستقبل التلميذ منذ اللحظة الأولى بسلسلة من المنع والتفتيش والمصادرة، فإن الرسالة التي يتلقاها تكون مختلفة تماماً. إذ يشعر، ولو بشكل غير مباشر، بأن المؤسسة لا تستقبله بوصفه طالب علم، وإنما بوصفه شخصاً يُحتمل أن يكون حاملاً لوسيلة غش، وأن الأصل فيه هو الشبهة لا الثقة.

وهذا التحول في العلاقة بين المدرسة والمتعلم ليس أمراً بسيطاً. فالتربية تقوم أساساً على بناء الثقة المتبادلة، وعلى ترسيخ الشعور بالمسؤولية، لا على تكريس الإحساس بأن الجميع موضع اتهام مسبق. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع الحقائب؟ بل هو: كيف نحمي نزاهة الامتحان، دون أن نمس كرامة التلميذ، أو نتجاهل ظروفه الصحية والاجتماعية، أو نحمله مسؤولية أخطاء ارتكبها غيره؟

إن الإدارة الذكية لا تكتفي بإصدار قرارات المنع، بل تبحث عن حلول تحقق الهدف وتحترم الإنسان في الوقت نفسه. وكان بالإمكان، مثلاً، تخصيص فضاءات مؤمنة داخل كل مركز لإيداع الحقائب، وحتى لإزالة الهواتف والأجهزة الرقمية، مع تسليم أصحابها وصولات مرقمة، والسماح بحمل الأدوية الضرورية والماء وفق ضوابط واضحة، بدل اعتماد المنع الشامل الذي لا يميز بين مريض وسليم، ولا بين من يحمل وسيلة غش ومن يحمل دواءً قد ينقذ حياته.
وعوض طلب تخزين الأدوات التعليمية داخل كيس شفاف، لم تحدد نوعيته. علما أن الاكياس البلاستيكية ممنوعة أصلا للتغليف بقانون رسمي. 
  فالقوانين العادلة هي التي تراعي اختلاف أوضاع الناس، أما القوانين التي تنظر إلى الجميع بالعين نفسها، فقد تحقق الانضباط، لكنها قد تفقد شيئاً لا يقل أهمية، وهو العدالة والإنسانية.

خطورة استمرار عمليات التشخيص والكشف الإلكتروني طوال مدة الامتحان على نفسية وعقل التلميذ

إذا كان قرار منع إدخال الحقائب قد أثار كثيراً من علامات الاستفهام، فإن الإجراء الذي لا يقل عنه خطورة هو استمرار عمليات التشخيص والكشف الإلكتروني طوال مدة الامتحان، أي حتى بعد توزيع أوراق الأسئلة وانكباب المترشحين على الإجابة. وهنا، لا يعود النقاش مرتبطاً فقط بوسائل محاربة الغش، بل يمس جوهر العملية التربوية، لأن الامتحان ليس مجرد لحظة للمراقبة، وإنما هو قبل كل شيء لحظة يحتاج فيها التلميذ إلى أقصى درجات التركيز والهدوء والاستقرار النفسي.

لقد نصت المذكرة بوضوح على أن عملية رصد الغش تستمر منذ بداية الحصة إلى نهايتها، وأن الفرق المكلفة يمكن أن تقوم بتشخيصات جماعية وفردية عند الاقتضاء. لكن السؤال الذي لم تجب عنه المذكرة هو: كيف يمكن إنجاز هذه العمليات داخل قاعة تضم عشرات التلاميذ المنهمكين في الإجابة دون أن تؤثر على تركيزهم؟

إن من يضع هذه التعليمات من داخل المكاتب المكيفة قد ينظر إلى الأمر باعتباره مجرد مرور عادي داخل القاعة، لكن من عاش تجربة اجتياز البكالوريا، أو أشرف على حراستها، أو تابع الحالة النفسية للمترشحين، يدرك جيداً أن أي حركة غير مألوفة، وأي همس، وأي توقف بجانب أحد التلاميذ، كفيل بأن يقطع خيط التركيز الذي قد يستغرق دقائق طويلة حتى يعود من جديد.

فالتلميذ الذي يحاول حل مسألة رياضية معقدة، أو تحليل نص فلسفي، أو صياغة موضوع إنشائي، لا يحتاج إلى أن يرى أشخاصاً يتنقلون بين الصفوف حاملين أجهزة إلكترونية، أو يقفون فجأة إلى جانب أحد زملائه لإجراء تشخيص فردي، لأن المشهد في حد ذاته كافٍ لإثارة التوتر والارتباك داخل القاعة بأكملها.

ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الإجراءات ترسل رسالة نفسية سلبية إلى جميع المترشحين، مفادها أن الشك يظل قائماً حتى بعد بداية الامتحان، وأن كل مترشح يبقى محل مراقبة دقيقة إلى أن يسلّم ورققة تحريره. وكأن الإدارة تقول للتلميذ: حتى وأنت تكتب الإجابة، فإننا لا نزال نبحث عن دليل يدينك.
وهنا يبرز سؤال تربوي لا يمكن تجاهله: هل يمكن للثقة أن تُبنى في بيئة يسودها الارتياب الدائم؟
إن المدرسة لا تربي فقط بالكتب والمناهج، وإنما أيضاً بالرسائل غير المباشرة التي تبعثها إلى المتعلمين. وعندما يشعر التلميذ أن المؤسسة لا تثق فيه، فإنه بدوره يفقد جزءاً من ثقته في المؤسسة. وحين تتحول العلاقة بين الطرفين إلى علاقة تقوم على الاشتباه المستمر، فإننا نكون قد ابتعدنا كثيراً عن فلسفة التربية، واقتربنا أكثر من منطق الضبط الأمني.

ولنكن صرحاء مع أنفسنا: أي صورة نريد أن تبقى في ذاكرة التلميذ عن يوم البكالوريا؟ هل نريده أن يتذكر أسئلة الامتحان، وفرحة خوض أول استحقاق وطني كبير في حياته؟ أم نريده أن يتذكر أجهزة الكشف، وحركة الفرق التقنية، والتعليمات الصارمة، وعمليات التفتيش التي لم تتوقف حتى وهو يكتب الإجابات؟
إن قاعة الامتحان يفترض أن تكون أكثر فضاءات المؤسسة التعليمية هدوءاً وسكينة. لكن عندما تتحول إلى فضاء تعبره الأجهزة، وتتحرك داخله الفرق، ويشعر فيه المترشح بأن كل حركة مرصودة، فإنها تفقد شيئاً من هيبتها التربوية، وتكتسب ملامح فضاء آخر، لا علاقة له برسالة المدرسة.

ولعل التشبيه الذي بدأ يتردد على ألسنة كثير من الآباء والأساتذة ليس بعيداً عن الواقع. فالمشهد الذي تصنعه هذه الإجراءات يكاد يشبه ما نراه في بعض المطارات الدولية أو المعابر الحدودية أو نقط التفتيش الجمركية؛ حيث أجهزة الكشف، والتشخيص، والتفتيش، والبحث المستمر عن أي شيء ممنوع. والفرق الوحيد أن من يوجد داخل قاعة الامتحان ليس مسافراً يعبر الحدود، ولا شخصاً يخضع لتحقيق أمني، بل هو تلميذ جاء يحمل قلماً وحلماً، ويبحث عن فرصة لإثبات ما تعلمه خلال اثنتي عشرة سنة من الدراسة.

إننا لا نقلل من خطورة الغش، ولا نقلل من واجب الإدارة في مكافحته، لكننا نرفض أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح الهاجس الأمني أقوى من الهاجس التربوي. لأن المدرسة، مهما تغيرت الوسائل، ستظل مؤسسة لبناء الإنسان، لا لتدبير الشبهات.

وكان بالإمكان، بكل بساطة، إنجاز جميع عمليات التشخيص الإلكتروني قبل توزيع أوراق الامتحان، والتأكد من خلو القاعات من أي أجهزة ممنوعة، ثم ترك التلاميذ ينجزون اختباراتهم في هدوء تام، مع عدم اللجوء إلى أي تدخل أثناء الامتحان إلا إذا توفرت مؤشرات جدية وواضحة على وجود حالة غش حقيقية. فذلك وحده يحقق التوازن بين حماية نزاهة الامتحان واحترام حق المترشح في بيئة هادئة تساعده على التركيز.
إن النجاح في محاربة الغش لا يقاس فقط بعدد الأجهزة التي تم ضبطها، بل يقاس أيضاً بقدرة الإدارة على حماية حق التلميذ في التركيز والطمأنينة. فليس من العدل أن يتحول آلاف المترشحين إلى ضحايا لتصرفات أقلية اختارت طريق الغش، وليس من الحكمة أن نعالج مشكلة تربوية بمنطق أمني صرف، لأن المدرسة التي تفرط في رسالتها التربوية، مهما بلغت درجة صرامتها، تكون قد خسرت معركتها الحقيقية.

 
المدرسة ليست مطاراً... ولا ثكنة عسكرية... ولا نقطة جمركية

من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منظومة تعليمية أن تبدأ، شيئاً فشيئاً، في فقدان هويتها التربوية، لتكتسب ملامح مؤسسات أخرى تختلف عنها في الوظيفة والرسالة والغاية. فالمدرسة لم تُبن لتكون مركزاً أمنياً، ولم تُحدث لتكون معبراً حدودياً، ولم تُفتح أبوابها لتتحول إلى فضاء للتفتيش والاشتباه الدائم، بل وُجدت لتكون المكان الذي يلتقي فيه العلم بالأخلاق، والمعرفة بالقيم، والثقة بالمسؤولية.

غير أن المتأمل في الإجراءات الجديدة، وما سبقها من تعليمات خلال السنوات الأخيرة، يكاد يشعر بأن المدرسة المغربية دخلت مرحلة جديدة، أصبحت فيها المقاربة الأمنية تتقدم على المقاربة التربوية، وأصبح هاجس اكتشاف الغشاش أهم من هاجس توفير الظروف النفسية والبيداغوجية المناسبة للتلميذ المجتهد.

ولعل المشهد الذي أصبح يتكرر كل موسم امتحاني يلخص حجم هذا التحول. تلميذ يصل إلى المؤسسة وهو يحمل حقيبته، فيُطلب منه أن يتركها خارج المركز. يمر عبر أجهزة للكشف، ويُخضع للتفتيش، ويجلس داخل القاعة تحت مراقبة بشرية وإلكترونية، ثم تستمر عمليات الرصد حتى بعد أن ينكب على تحرير أجوبته. وعندما ينتهي من الامتحان يغادر المكان، وقد ترسخ في ذهنه أن أول علاقة جمعته بالمؤسسة كانت علاقة قائمة على الشك أكثر مما هي قائمة على الثقة.
أي صورة نريد لهذا التلميذ أن يحملها عن المدرسة؟
هل نريد أن يتذكر أساتذته الذين علموه، أم أجهزة الكشف التي فتشته؟
هل نريد أن يتذكر قيمة العلم، أم صرامة الإجراءات؟
هل نريد أن يشعر بأنه دخل مؤسسة تربوية، أم منشأة أمنية؟
إن أخطر ما في هذه الصورة أنها لا تؤثر فقط في يوم الامتحان، بل تؤثر في نظرة الأجيال إلى المدرسة والدولة معاً. فالطفل أو الشاب الذي يتعلم منذ سنواته الأولى أن العلاقة مع المؤسسة العمومية تبدأ بالتفتيش والاشتباه، قد يكبر وهو يحمل الإحساس نفسه في علاقته ببقية المؤسسات. وهنا تصبح المدرسة، من حيث لا نشعر، فضاء لإنتاج ثقافة الارتياب بدل ثقافة الثقة.
وليس المقصود هنا التقليل من أهمية الإجراءات الأمنية عندما تكون ضرورية، فكل المؤسسات، بما فيها المدارس، تحتاج إلى قدر من التنظيم واليقظة. لكن الفرق كبير بين الإجراءات الأمنية التي تخدم التربية، والإجراءات الأمنية التي تطغى على التربية.

فحين يصبح التلميذ يرى أمامه رجالاً وأجهزة وتعليمات أكثر مما يرى الجو التربوي، فإن الرسالة التي يتلقاها تكون واضحة: أنت هنا لأننا نخشى أن تغش، لا لأننا نثق في أنك ستبرهن على ما تعلمته.
إن بناء الإنسان لا يقوم على الخوف وحده، بل يقوم على الإقناع والقدوة والثقة. وحتى القانون نفسه، في فلسفته الحديثة، لا ينطلق من افتراض الإدانة، وإنما من قرينة البراءة. فكيف نقبل أن يصبح التلميذ، وهو لم يرتكب أي مخالفة، موضوع شبهة مستمرة منذ لحظة دخوله المؤسسة إلى لحظة مغادرته لها؟
ثم إن المدرسة ليست مسؤولة فقط عن تنظيم الامتحان، بل عن صناعة مواطن المستقبل. والمواطن لا يتكون فقط من خلال المقررات الدراسية، بل أيضاً من خلال الرسائل اليومية التي تبعثها إليه مؤسسات الدولة. فإذا كانت هذه الرسائل كلها تقوم على المنع، والاشتباه، والتفتيش، فإننا نكون قد ربحنا معركة صغيرة ضد بعض وسائل الغش، لكننا قد نخسر معركة أكبر تتعلق ببناء علاقة صحية بين المواطن ومؤسساته.

لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن أكثر الأنظمة التعليمية نجاحاً ليست تلك التي تملك أكثر أجهزة المراقبة، وإنما تلك التي نجحت في ترسيخ ثقافة النزاهة داخل المدرسة والأسرة والمجتمع. ففي تلك التجارب، يشعر التلميذ بأن الغش إهانة لنفسه قبل أن يكون مخالفة للقانون، لأن المدرسة نجحت في بناء ضميره قبل أن تراقب حركاته.
أما عندما يصبح كل موسم امتحاني مناسبة لإضافة جهاز جديد، أو إجراء جديد، أو مذكرة أكثر تشدداً، فإننا نكون أمام اعتراف غير مباشر بأننا لم ننجح بعد في معالجة أصل المشكلة، وأننا نحاول معالجة أزمة تربوية بأدوات أمنية فقط. لأن المعضلة في حاجة أمن وقائي وليس أمن زجري..
إن الدولة القوية ليست هي التي تكثر من الحواجز، بل هي التي تجعل المواطن يحترم القانون لأنه مقتنع بعدالته. والمدرسة القوية ليست هي التي تملأ قاعاتها بأجهزة الكشف، بل هي التي تجعل التلميذ يرفض الغش حتى لو غابت كل أجهزة المراقبة.
ولهذا، فإن أكبر انتصار يمكن أن تحققه المدرسة المغربية لن يكون يوم تضبط آخر هاتف محمول داخل قاعة الامتحان، بل يوم يصل التلميذ إلى قاعة الامتحان وهو مقتنع بأن النجاح بالغش هزيمة أخلاقية قبل أن يكون مخالفة قانونية، وأن الشهادة التي تُنال بالتحايل لا قيمة لها مهما فتحت من أبواب.
وهنا فقط، يمكن أن نقول إن المدرسة انتصرت... لا لأنها شددت المراقبة، بل لأنها نجحت في أداء رسالتها الحقيقية: تربية الإنسان قبل مراقبته، وبناء الضمير قبل تشغيل أجهزة الكشف.


الغش لا يولد داخل قاعة الامتحان... بل تصنعه منظومة كاملة خارج أسوار المدرسة

سيكون من السهل جداً أن نُحمِّل التلميذ وحده مسؤولية ما آلت إليه أوضاع الامتحانات، وأن نعتبر أن أصل المشكلة يكمن في الهاتف المحمول أو السماعات الدقيقة أو الساعات الذكية. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالغش ليس ظاهرة معزولة تولد صباح يوم الامتحان، ولا قراراً يتخذه التلميذ وهو جالس أمام ورقة الأسئلة، وإنما هو نتيجة لمسار طويل من الاختلالات التربوية والاجتماعية والثقافية، شاركت فيه أطراف متعددة، ثم وجدنا أنفسنا في النهاية نبحث عن الحلقة الأضعف لنحملها وحدها كامل المسؤولية.

فالطفل لا يولد غشاشاً، والتلميذ لا يستيقظ فجأة ليقرر أن يخون ضميره. الغش يتسلل إليه بالتدريج، عندما يرى الكذب يتحول إلى مهارة اجتماعية، والواسطة إلى وسيلة للنجاح، والمحسوبية إلى طريق مختصر للحصول على الحقوق، والرشوة إلى مفتاح لفتح الأبواب المغلقة. وعندما يشاهد في محيطه من يحقق المكاسب دون استحقاق، ومن يتجاوز القانون دون عقاب، ومن يربح بالغش أكثر مما يربح المجتهد بعمله، فإنه يبدأ، دون أن يشعر، في إعادة صياغة مفهوم النجاح نفسه.

فكيف نطلب من تلميذ أن يقتنع بأن الغش في الامتحان جريمة أخلاقية، وهو يشاهد في حياته اليومية من يغش في الصفقات العمومية، ومن يغش في الميزان، ومن يغش في التصريحات الضريبية، ومن يغش في الانتخابات، ومن يغش في مباريات التوظيف، ومن يغش في التجارة، ثم يخرج منتصراً أو بلا محاسبة؟

إن المدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع، بل هي مرآة تعكس ما يجري داخله. فإذا كان المجتمع يكرم الاستحقاق، فإن المدرسة ستنجح في ترسيخ النزاهة. أما إذا كان المجتمع يبعث برسائل متناقضة، فإن التلميذ سيعيش بدوره هذا التناقض، وسيصبح مقتنعاً بأن المطلوب منه أن يكون نزيهاً داخل قاعة الامتحان فقط، بينما يرى صوراً مختلفة خارجها.

ولا يمكن أيضاً إعفاء الأسرة من مسؤوليتها. فبعض الآباء، بدافع الخوف على مستقبل أبنائهم، يمارسون ضغوطاً هائلة عليهم لتحقيق معدلات مرتفعة، حتى يصبح النجاح هدفاً بأي وسيلة، لا ثمرةً للاجتهاد. بل إن بعضهم، للأسف، يبحث عن الدروس الخصوصية التي تضمن النقط، أو عن وسائل التحايل، أو عن تسريبات مزعومة، معتقداً أنه يساعد أبناءه، بينما هو في الحقيقة يزرع فيهم أول بذور الغش.

كما أن المدرسة نفسها مطالبة بمراجعة جزء من مسؤوليتها. فحين يصبح همُّ بعض المؤسسات هو تحقيق نسب نجاح مرتفعة بأي ثمن، وحين تتحول النقط إلى غاية في حد ذاتها، أكثر من كونها وسيلة لقياس التعلمات، فإننا نكون قد ساهمنا، بشكل غير مباشر، في خلق مناخ يجعل النجاح الرقمي أهم من النجاح الحقيقيز

ثم يأتي الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول بعض حالات الغش إلى مادة للسخرية أو إلى استعراض للذكاء في التحايل على القانون، بدل أن تكون مناسبة لترسيخ قيمة النزاهة. ويصبح من يستعمل أحدث وسائل الغش بطلاً في نظر البعض، لا شخصاً خان نفسه قبل أن يخون المؤسسة التعليمية والوطن.

لذلك، فإن اختزال كل هذه المنظومة المعقدة في جهاز إلكتروني أو مذكرة إدارية، مهما بلغت صرامتها، هو تبسيط مخل للمشكلة. لأن الأجهزة تستطيع أن تكشف الهاتف، لكنها لا تستطيع أن تكشف انهيار القيم. ويمكنها أن تحجز سماعة إلكترونية، لكنها لا تستطيع أن تزرع الضمير.
إن المعركة الحقيقية ضد الغش لا تبدأ عند باب مركز الامتحان، بل تبدأ في الأسرة، وتستمر في القسم، وتتجسد في سلوك الأستاذ، وفي نزاهة الإدارة، وفي احترام القانون داخل المجتمع كله. وحين تصبح النزاهة ثقافة عامة، ستتحول أجهزة الكشف إلى وسائل احتياطية فقط، لا إلى العمود الفقري لمنظومة الامتحانات.

ولهذا، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من سؤال أكبر بكثير من سؤال "كيف نكتشف الغشاش؟"، إلى سؤال أكثر عمقاً وهو:"كيف نربي جيلاً يعتبر الغش إهانة لكرامته قبل أن يكون مخالفة للقانون؟"

ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك هو الامتحان الأصعب الذي لم ننجح بعد في اجتيازه. فحين ننجح فيه، لن نحتاج إلى كل هذا الكم من الإجراءات الاستثنائية، لأن الضمير سيكون أقوى من الهاتف، والقيم ستكون أكثر فعالية من أجهزة الكشف، والمدرسة ستستعيد رسالتها الأصلية: بناء الإنسان قبل مراقبته.


بين صرامة القانون وإنسانية المدرسة... كيف نحمي نزاهة الامتحان دون أن نفقد روح التربية؟
بعد كل هذا النقاش، قد يعتقد البعض أن الدعوة إلى مراجعة هذه الإجراءات تعني المطالبة بالتساهل مع الغش، أو التقليل من خطورته، أو فتح الباب أمام من يريدون العبث بمصداقية شهادة البكالوريا. وهذا فهم بعيد كل البعد عن جوهر القضية. فالمطلوب ليس التراجع عن محاربة الغش، وإنما إعادة التوازن بين حماية الامتحان واحترام التلميذ، وبين فرض القانون والحفاظ على الرسالة التربوية للمؤسسة التعليمية.

فالدولة، وهي تحرص على صون مصداقية البكالوريا، مطالبة في الآن نفسه بصون كرامة المترشح. والوزارة، وهي تسعى إلى حماية تكافؤ الفرص، مطالبة أيضاً بتوفير ظروف نفسية وتنظيمية تساعد التلميذ على اجتياز امتحانه في هدوء وطمأنينة. لأن الامتحان ليس اختباراً في القدرة على تحمل الضغط الأمني، وإنما هو اختبار في المعارف والكفايات التي اكتسبها المتعلم طوال سنوات الدراسة.

ولذلك، فإن معالجة ظاهرة الغش لا تحتاج فقط إلى أجهزة إلكترونية أكثر تطوراً، بل تحتاج قبل ذلك إلى حوار مؤسساتي حقيقي تشارك فيه مختلف الأطراف المعنية. فمن غير المقبول أن تصاغ إجراءات تمس ملايين المواطنين بين مترشحين وأسر وأطر تربوية، دون فتح نقاش واسع حول آثارها العملية والإنسانية. فالمدير الذي يدبر المركز، والأستاذ الذي يحرس القاعة، والطبيب الذي يتابع تلاميذاً يعانون أمراضاً مزمنة، وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ، كلهم يمتلكون خبرة ميدانية كان يمكن أن تثري هذه المذكرات وتجنبها كثيراً من الثغرات.

ثم إن الوزارة مطالبة أيضاً بالتمييز بين الإجراءات الاستثنائية والإجراءات الدائمة. فما يصلح لمعالجة حالة خاصة أو ظرف استثنائئي، قد لا يصلح ليصبح قاعدة عامة تطبق على الجميع. لأن القاعدة القانونية الرشيدة هي التي تراعي اختلاف الحالات، ولا تعاقب الجميع بسبب أخطاء قلة قليلة..
كما أن الوزارة مطالبة بإصدار تقارير تقييم علنية بعد كل دورة امتحانية، لا تقتصر على الإعلان عن عدد حالات الغش، وإنما تتضمن تقييماً موضوعياً للإجراءات المعتمدة، وما نجح منها وما لم ينجح، والأعطاب التي سُجلت، والاقتراحات الكفيلة بتطويرها. فالإدارة الحديثة لا تخجل من الاعتراف بالاختلالات، بل تعتبر الاعتراف بها أول خطوة نحو الإصلاح.
إن قوة المؤسسات لا تكمن في الإصرار على أن قراراتها لا تخطئ، وإنما في قدرتها على مراجعة نفسها كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك. والإدارة التي تستمع إلى الميدان، وتصحح اختياراتها، هي إدارة تكسب ثقة المواطنين، أما الإدارة التي تكتفي بإصدار تعليمات جديدة كلما تعثرت التعليمات السابقة، فإنها تخاطر بتحويل التدبير إلى مجرد تراكم للمذكرات، دون معالجة حقيقية للمشكلة.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذا النقاش هو أن الغش ليس عدواً للتلميذ فقط، بل هو عدو للدولة وللمجتمع وللتنمية ولتكافؤ الفرص. ولذلك فإن مواجهته مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة، وتمر عبر المدرسة، وتصل إلى الجامعة والإدارة وسوق الشغل والإعلام. لأن المجتمع الذي يتسامح مع الغش في مجالات أخرى، لن ينجح في القضاء عليه داخل قاعات الامتحان مهما بلغت درجة صرامة الإجراءات.

 
الأجهزة لن تحمي المدرسة إذا فقدت ثقتها في أبنائها

قد تستطيع أجهزة الكشف أن ترصد هاتفاً مخفياً، وقد تتمكن فرق المراقبة من ضبط وسيلة غش متطورة، وقد تنجح المذكرات الجديدة في تقليص عدد المخالفات داخل بعض المراكز، لكن يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل يكفي ذلك لبناء مدرسة قوية؟
الجواب، في تقديري، هو لا 
فالمدرسة لا تقاس فقط بعدد حالات الغش التي تضبطها، وإنما تقاس أيضاً بقدرتها على بناء مواطن يؤمن بالنزاهة، ويحترم القانون، ويعتبر النجاح ثمرة للاستحقاق لا للتحايل. والمدرسة التي تكتفي بملاحقة وسائل الغش، دون أن تربي على قيم الصدق والأمانة، ستظل تخوض معركة لا تنتهي، لأن التكنولوجيا ستتطور، ووسائل الغش ستتغير، بينما يبقى الضمير هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن الالتفاف عليه.

إن الرسالة التي نوجهها اليوم إلى وزارة التربية الوطنية ليست رسالة رفض، وإنما رسالة حرص على المدرسة العمومية، وعلى هيبة شهادة البكالوريا، وعلى كرامة التلميذ المغربي. فليس المطلوب أن تختار الوزارة بين نزاهة الامتحان واحترام المترشح، لأن الدولة القوية قادرة على الجمع بينهما معاً.

كما أن الرسالة موجهة إلى الأسر، حتى تجعل من النزاهة قيمة تُغرس في البيت قبل أن تُفرض داخل قاعة الامتحان، وإلى الأساتذة الذين يظلون القدوة الأولى في ترسيخ معنى الاستحقاق، وإلى التلاميذ أنفسهم، لأن الشهادة التي تُنال بالغش قد تفتح باباً في البداية، لكنها لا تبني مستقبلاً ولا تصنع كفاءة ولا تمنح صاحبها احترام نفسه.

ويبقى النداء الأخير موجهاً إلى كل من يساهم في صناعة القرار التربوي: قبل أن نضيف جهازاً جديداً، أو نصدر مذكرة جديدة، أو نشدد إجراءً جديداً، لنسأل أنفسنا سؤالاً واحداً: هل سيجعل هذا القرار المدرسة أكثر تربية؟ أم أكثر أمناً فقط؟

فإذا نجحنا في تحقيق الأمن التربوي دون أن نفقد إنسانية المدرسة، نكون قد انتصرنا جميعاً. أما إذا انتصر هاجس الأمن على رسالة التربية، فإننا قد نحمي الامتحان لبعض الوقت، لكننا سنخسر شيئاً أكبر بكثير... سنخسر المدرسة باعتبارها فضاءً لبناء الثقة، وصناعة الإنسان، وترسيخ القيم التي لا تستطيع كل أجهزة العالم أن تعوضها.  
 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة