القائمة الرئيسية
أخبارنا

حين تتحول العطلة إلى معركة وجودية

حين تتحول العطلة إلى معركة وجودية


بين سخرية الواقع المُر وعبثية التوقعات، تطل علينا "العطلة" كل صيف كوثيقة اختبار جماعية لمدى قدرتنا على تحمّل مشقات السعادة. فالإنسان الحديث، بعد أن أنهكته تروس الرأسمالية، والفواتير المتناسلة، وأصوات المنبهات الصباحية، يختترع أُفقاً وهمياً أسماه "العطلة" ليهرب من روتين السجن اليومي ليقع في أسر بروتوكولات الاستجمام الإجباري. والمغربي، كعادته، لا يخوض هذه التجربة بصفته سائحاً مُسترخياً، بل بصفته مُحارباً قديماً يخوض معركة بلا هوادة عنوانها البارز: كيف تعود من العطلة حياً؟

لا تبدأ العطلة على رمال الشاطئ، بل تبدأ قبل ذلك بشهور في أروقة التخطيط الحربي بحقائب تكفي لبعثة استكشافية من أدوية الطوارئ وشواحن بكل المقاييس وكراسي ومظلات وأطنان من المؤونة، وطريق آلام يمتد مع ازدحام مروري وحرارة لافحة وأسئلة طفولية أزلية من الخلف عن موعد الوصول لتصل إلى وجهتك وأنت مُحمل بطاقة سلبية تجعلك تشتاق لعملك الذي هربت منه. وحين تضع عصا الترحال في المدينة الساحلية، يكتشف الوافد أن قانون الغاب ما زال يُدرّس في مواقف السيارات، وأن الرمل الذي خلقته الطبيعة للجميع قد أُخضع لعقود استعمارية صامتة بين نفوذ المقاهي وملكية المظلات ومساحات العائلات المسيطرة.

تأتي باحثاً عن زرقة الأفق وسكينة الأمواج فتصطدم بغابة من الأجساد ومكبرات الصوت، حيث تطاردك كرة طائرة طائشة باعتذار سريع، ويلاحقك العمل من جيبك لتراجع البريد وتصور غروب الشمس لا لتعيشه بل لتثبت للعالم الافتراضي أنك تستمتع. وأما الأسرة فلها ديناميكيتها الخاصة في اجتماع عائلي ديمقراطي ومفتوح بلا رئيس ولا جدول أعمال حيث الكل يعترض ويطالب بما لا تريده أنت، بينما السكن يتحول إلى أحجية لغوية بغرف عادية تصير أجنحة بانورامية ومحفظة مالية تتعرض لنزيف صامت تجعلك تراجع جدوى وجودك وأنت تدفع فاتورة لا تقارن بطبخ البيت، تماماً مثل وسائل النقل التي تفرض شروطاً غريبة لتكتشف أن المسافة نفسها تصبح أطول وأغلى في فصل الصيف.
المشكلة ليست في البحر ولا في الشمس، بل في ثقافة التدبير التي تحولت إلى موسم لاقتناص الفرص واستنزاف الجيوب بدلاً من كونها فضاءً للارتقاء بالنفس، وفي غياب شروط التنظيم والنظافة واحترام الفضاء العام. وحين يقارن المواطن بين جودة الخدمات المنهكة والفوضى العارمة وبين أثمانها الباهظة، لا عجب أن يفضل وجهات أخرى أو يكتفي بالعودة بجملته الخالدة: "الحمد لله، دازت على خير"، والفرق شاسع جداً بين من قضى عطلة حقيقية ومن نجا من جحيمها.

وفي النهاية، تدرك النفس العميقة أن الهروب الحقيقي لا يقاس بمسافات السفر ولا بارتفاع أسعار المنتجع، بل بقدرتنا على إسكات صخب العالم الخارجي؛ فربما لم تكن العطلة يوماً مكاناً نرحل إليه بالجسد، بل حالة شعورية نبلغها حين نتخلى عن رغبتنا العارمة في توثيق الحياة ونكتفي بأن نعيشها بصمت، متمسكين بأن راحة البال الحقيقية تولد حين يتوقف الإنسان عن الركض خلف وهم السعادة الجاهزة والأسواق المزدحمة، ليدرك أن أبسط تفاصيل الهدوء الداخلي في زاوية صغيرة من البيت هي وحدها الملاذ الأخير والعميق من عبث هذا الوجود.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.