الرئيسية | أقلام حرة | مواطنون أم رعايا ؟ في النظام السياسي المغربي

مواطنون أم رعايا ؟ في النظام السياسي المغربي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مواطنون أم رعايا ؟ في النظام السياسي المغربي
 

عملت الديمقراطيات الحديثة على إبراز قيمة المواطنة، فبعد أن كان الإنسان بمثابة "رعية" لقرون خلت في المماليك و الإمبراطوريات، أضحى بعد موجة من الصيرورات التاريخية و الثقافية و الاجتماعية و السياسية، مواطنا مستقرا بشكل ثابت داخل الدولة التي يحمل جنسيتها ويشارك بشكل فعال في الحكم، كما يخضع للقوانين الصادرة عنها، و يتمتع بشكل متساوي مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق و الواجبات الملزم بها تجاه الدولة.

 

لكن هل فعلا نحن بدولة المواطنة انطلاقا من الوضع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الحالي ؟ أم ينطبق على المجتمع المغربي مفهوم الرعية و المرتكز بدوره على مبدأ الطاعة ؟

 

يمكن الاتفاق قبل الخوض في تحليل هته العلاقة الجدلية بين مفهومي المواطنة و الرعية بالدولة ذات التوجه الحداثي، أي الحالة المغربية, على أن جوهر المواطنة بها شديد الصلة بالحداثة السياسية و الفلسفة الفكرية، و هو ما يمكن الوقوف عليه انطلاقا من إصلاحات السلطة السياسية بالمغرب، من إحداث قوانين تساير عملية الانتقال من ما هو تقليدي إلى ما هو حداثي، تدعيم أيضا مبدأ فصل السلطات بالنظام السياسي و الدستوري، تعزيز ثقافة حقوق الإنسان و إرساء دعائم المجتمع المدني الفعال، كلها إصلاحات تعمل على تدعيم مفهوم المواطنة من خلال تأطيرها من قبل المشرع الدستوري، إلا أن تموقع النصوص القانونية المنظمة لمبادئ المواطنة ما بين السماء و الأرض وضعفها على مستوى واقع الممارسة يجعلها محل نقد.

 

قد لا يتسع المجال لمناقشة تجليات مفهوم المواطنة في التجربة المغربية لكن، التطرق لها ولو ظاهريا، يقودنا مباشرة الى مفهوم شديد الاتصال وهو "الرعية" اللصيق بمبدأ الطاعة في الحالة المغربية، كتجسيد لنمط الحكم المتأرجح ما بين التقليد و الحداثة.

 

و هذا ما يجعلنا أمام إشكال جوهري حول تموقع مفهومي المواطنة و الرعية بالنظام السياسي المغربي.

 

و هو كيف يمكن الفصل بين مفهومي المواطنة والرعية؟ ومتى تنتهي صفة المواطن و متى تبتدئ صفة الرعية في الحالة المغربية ؟

 

إن تقديس مبدأ الطاعة كجوهر مفهوم الرعية، انطلاقا من مستند الإمارة يجعل الطاعة قرار ملزم للرعية بالمغرب خارج حدود الواجب و الحقوق كركيزتين لمفهوم المواطنة.

 

فالطاعة تتقدم على الحرية، وعلى حق الاعتراض و على العدل، لأنها واجبا دينيا، فأي اختلاف أو مسعى سياسي يتم مباشرة وضع مفهوم المواطنة جانبا و إرساء مفهوم الرعية كورقة ثانية موازية، لها أهداف معينة انطلاقا من مبدأ الطاعة يتم الاستناد إلى الآية الكريمة "أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم" و قد حملت هته الآية الكثير من الجدل، داخل منظري الفكر السياسي الإسلامي، حيث قيل أن الآية تنص على الطاعة ممن يمتلكون زمام الأمر، وهو ما تم تفسيره إما بمعني السيادة أو السلطة السياسية التي تستخدم مصطلح الرعية بمبدأها الأول الطاعة في القضايا الحساسة، انطلاقا من الزوايا و المساجد.

 

إذا كانت المواطنة تستند إلى المساواة في الحقوق و الواجبات، و دولة الفصل بين السلطات و المشاركة السياسية، فإن الطاعة ركيزة "الرعية" الأساسية و التي بها يكتمل بنيان الدولة الذي يتمحور في الحالة المغربية حول مضمون الممارسة السياسية لمؤسسة إمارة المؤمنين، التي تمزج بين نمط الحكم التقليدي الإسلامي و الطابع الحداثي للدولة الديمقراطية.

 

فلا عدل دون طاعة، ولا حرية خارج الطاعة، ولا حقوق بمعزل عن الطاعة، فحق الأمير في طاعة الرعية، وحق الرعية في عدل الأمير.

 

 

صفوة القول أن المواطنة تؤسس لقيم التسامح و التعددية و المشاركة المتكافئة و المساواة و العدل، وغايتها تكريس الحرية و حماية الحقوق، بينما إلزام " الرعايا بالطاعة" و التأسيس لذالك دينيا، رغم كنهه السياسي، يطرد القيم المثلى خارج الاجتماع البشري، و يجعلنا أمام ديمقراطية السقف المتأرجحة بين التأصيل الديمقراطي لمفهوم المواطنة و الاستغلال لمفهوم الرعية لضرب أسس الممارسة السياسية.

مجموع المشاهدات: 653 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (2 تعليق)

1 | مالكي ادريس
هذا ما ارادوا بنا
ان المواطنة والقيم التي تشتمل عليها كما سلف الذكر، قد تتعارض في جل الأحيان مع مفهوم الطاعة وذالك راجع الى التأصيل الفكري والفلسفي لهذين المفهومين، وهذا ما يجعل مجتمعنا غير متأقلم مع المشهد السياسي والسيادي فأحيانا هو مطالب بأن يكون المواطن الصالح، وأحيانا أخرى يجب ان يكون مطيعا وفي مقام الرعية وليس المواطن.
مقبول مرفوض
0
2019/05/21 - 01:35
2 | Souhane abdelaali
تحية
تحية الى الاخ سفيان و اتمنى لك المزيد من الكتابات الموضوعية التي تتسم بالحيادية و الواقعية
و مزيدا من العطاء انشاء الله
مقبول مرفوض
0
2019/05/21 - 02:24
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع