حملة أمنية واسعة بحي مولاي رشيد بالدار البيضاء تُسفر عن توقيف عدد من الخارجين عن القانون

فاعل بقطاع النقل عبر التطبيقات يحمل الشركة مسؤولية مأساة ياسين سائق "إندرايف" ويشيد بسرعة تدخل الدرك

تصريحات قوية للاعبي المنتخب بعد الفوز على مدغشقر وهذه ما قالوه عن حظوظ الأسود في المونديال

تصريح مؤثر جدا لمنير المحمدي بعد الانتقادات التي تعرض لها بعد استدعائه للمنتخب الوطني المغربي

وزان.. تلاميذ مولاي عبد الله الشريف: امتحان الجهوي مرّ في أجواء مريحة والأسئلة كانت في المتناول

هدوء غير معتاد بدرب عمر.. إغلاق واسع للمحلات وشبه شلل في الحركة التجارية بعد العيد

بين الأسطورة والحقيقة.. رفع السرية عن وثائق إسبانية يهزّ صورة الخطابي ويعيد كتابة تاريخ جديد لـ"بطل الريف"

بين الأسطورة والحقيقة.. رفع السرية عن وثائق إسبانية يهزّ صورة الخطابي ويعيد كتابة تاريخ جديد لـ"بطل الريف"

أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة

في قلب الجدل التاريخي الذي لا يهدأ حول أحد أكثر رموز القرن العشرين حضوراً في الذاكرة المغربية، يعود اسم محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الواجهة من بوابة كتاب جديد لا يكتفي بإعادة السرد، بل يفتح باب المساءلة على مصراعيه، تحت عنوان لافت: "الأسطورة والحقيقة… سيرة وثائقية عن محمد بن عبد الكريم الخطابي".

الكتاب الجديد الصادر عن منشورات "مونافريك برودكوم" في طبعة من 466 صفحة، لا يقدّم نفسه كسيرة تقليدية لزعيم حرب الريف، بل كعمل أرشيفي تفكيكي يستند إلى وثائق إسبانية وإنجليزية رُفعت عنها السرية، ويعيد تركيب المشهد من زوايا كانت، لعقود، خارج دائرة الضوء. والنتيجة ليست مجرد إضافة معلومات جديدة، بل إعادة خلط شاملة لطبقات الذاكرة: بين ما ترسّخ كـ"صورة ذهبية" للخطابي، وبين ما تصفه الوثائق بـ"الهامش المنسي" من سيرته المبكرة.

الكتاب، الذي تم تحت إشراف محمد خباشي، ينطلق من فرضية صريحة: أن التاريخ كما كُتب عن الخطابي لم يكن دائماً محايداً، وأن جزءاً من صورته بُني عبر انتقاء سردي منحاز، رفعه إلى مستوى الرمز المطلق للمقاومة، مقابل إقصاء مراحل سابقة من حياته، أكثر تعقيداً وتداخلاً مع الإدارة الإسبانية في شمال المغرب خلال فترة الحماية.

بحسب ما يعرضه الكتاب، فإن مرحلة ما قبل حرب الريف لا تُشبه تماماً الصورة المتداولة عن القطيعة الكاملة مع الاستعمار منذ البداية. الوثائق التي يستند إليها العمل تتحدث عن امتيازات إدارية وتنقلات و تعاون مهني وأدوار وسيطة لعبها عبد الكريم الخطابي الأب، ثم ابنه محمد، داخل منظومة الإدارة الإسبانية في مليلية، بما في ذلك مهام مرتبطة بالترجمة والتعليم والصحافة، إلى جانب استفادة من رواتب وأوسمة رسمية، وطلبات للحصول على الجنسية الإسبانية في مراحل مبكرة.

الأكثر حساسية في هذه المادة الأرشيفية ليس فقط طبيعة العلاقات، بل منطقها: إذ تظهر مراسلات تتحدث عن ولاءات وظيفية، وشكاوى موجهة إلى السلطات الإسبانية، وحتى طلبات حماية ودعم في مواجهة "المخزن" المغربي، في سياق كانت فيه المنطقة خاضعة لتقاطعات معقدة بين قوى محلية و استعمارية متنافسة.

هذه المعطيات، كما يقدمها الكتاب، لا تُستخدم لنقض مسار الخطابي لاحقاً كمقاوم شرس قاد حرب أنوال، بل لإعادة تفكيك فكرة "البداية النقية" التي تأسست عليها صورته في المخيال الوطني. فالرجل، وفق هذا المنظور، لم يولد داخل لحظة مواجهة صافية، بل داخل بيئة سياسية متحركة، كان فيها التفاوض، والوساطة، والتقاطع مع الإدارة الاستعمارية جزءاً من الواقع اليومي، قبل أن ينقلب هذا الواقع نفسه إلى ساحة صدام شامل.

في المقابل، لا يتجاهل الكتاب التحول الحاسم في مسار الخطابي، حين انتقل من موقع الفاعل داخل منظومة استعمارية إلى قائد ثورة مسلحة ضدها، ثم لاحقاً إلى رمز من رموز التحرر في العالم الثالث. لكنه يطرح سؤالاً مختلفاً: كيف تُصنع الرموز؟ وأي جزء من التاريخ يُختار ليبقى، وأي جزء يُدفن تحت طبقات التقديس؟

هنا يتجاوز النقاش البعد السيري إلى البعد الرمزي والسياسي. فالكتاب يلمّح إلى أن سيرة الخطابي لم تُقرأ دائماً كأرشيف تاريخي مفتوح، بل كـ"رأسمال رمزي" استُخدم في مراحل مختلفة، سواء في بناء خطاب وطني موحد ضد الاستعمار، أو لاحقاً في قراءات سياسية متباينة حول الريف والدولة والهوية.

ومن هذا المنظور، تصبح "الأسطورة" ليست نقيض الحقيقة فقط، بل نتاجاً لعملية تاريخية طويلة من الانتقاء والتأويل وإعادة التوظيف.

غير أن هذا النوع من المقاربات لا يمر دون توتر. فإعادة فتح الأرشيف في ملف بحجم الخطابي تعني بالضرورة إعادة فتح أسئلة الذاكرة الوطنية نفسها: من يملك حق تعريف البطل؟ وهل يمكن فصل القيمة الرمزية للمقاومة عن تعقيدات المسار الفردي لمن قادها؟

الكتاب لا يقدم إجابة نهائية، لكنه يفرض اهتزازاً واضحاً في السردية المألوفة: صورة الزعيم الذي خرج من فراغ تاريخي نقي تتراجع لصالح صورة أكثر تركيباً، فيها السياسة اليومية، والمصالح، والتقلبات، قبل أن تتشكل لحظة المواجهة الكبرى.

وفي خلفية هذا الجدل، يعود سؤال أعمق يتجاوز الخطابي نفسه: كيف تُكتب تاريخيات التحرر في بلدان خرجت من الاستعمار عبر سرديات بطولية مكثفة؟ وهل يمكن للتاريخ، حين يُعاد قراءته بالوثيقة، أن يحتفظ بهالته الرمزية، أم أنه يُجبر على إعادة توزيع الضوء والظل داخل الذاكرة الجماعية؟

ما يفعله هذا الكتاب، في جوهره، ليس إسقاط صورة عن زعيم، بل كسر يقين حول صورة اعتُبرت نهائية لعقود. وبين الوثيقة والأسطورة، يبقى الخطابي – كما يبدو من هذا الجدل الجديد – أكثر من مجرد شخصية تاريخية: إنه مرآة لصراع أعمق حول من يكتب التاريخ، وبأي أدوات، ولأي غاية.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة